الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فأما إذا مات وقد أدى فرض الحج ولم يكن قد وجب عليه الحج فوصى أن يحج عنه متطوعا ، ففي صحة وصيته وجوازه النيابة عنه في تطوعه قولان منصوصان نص عليهما في الأم :

                                                                                                                                            أحدهما : إنها وصية صحيحة والنيابة عنه في تطوعه جائزة ، وقد مضى توجيه القولين في أول الكتاب ، فإن قلنا ولم تجز النيابة عنه ببطلان الوصية سقط حكمها فيها ، وإن قلنا بصحة الوصية لم يخل حاله من أربعة أقسام :

                                                                                                                                            أحدها : أن يعين من يحج عنه ويعين القدر الذي يحج به فيقول : أحجوا عني زيدا بمائة دينار فلا يخلو حال زيد من أحد أمرين : إما أن يكون أجنبيا أو وارثا ؛ فإن كان أجنبيا صحت له الوصية وكان جميع الوصية في الثلث ؛ لأنها تطوع ، فإن قبل الوصية حج عنه بجميع المائة أو بما احتمله الثلث من المائة وإن رد الوصية بالحج ولم يقبلها ففي بطلان الوصية وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : قد بطلت الوصية ؛ لأن الوصية إذا تعلقت بعين لم يجز صرفها إلى غير تلك العين ؛ كما لو أوصى إلى رجل بمائة فلم يقبلها لم يجز صرفها إلى غيره . والوجه الثاني أنها لا تبطل ؛ لأنها في مقابلة عمل يعاوض عليه فلم يكن تعيينها في شخص مانعا من نقلها إلى غيره عند عدم قبوله ؛ كمن وصى ببيع عبده على زيد ويتصدق بثمنه فامتنع زيد من ابتياعه لم تبطل الوصية وبيع إلى غيره ، فعلى هذا هل تصرف جميع المائة في غيره أو يصرف أقل ما يوجد من يحج به ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            [ ص: 280 ] أحدهما : وهو الصحيح : أنه يصرف إلى غيره أقل ما يوجد أحد يحج به وتبطل الزيادة وتعود إلى التركة ؛ لأنها وصية معينة لشخص لم يقبلها ؛ كمن وصى ببيع عبده على زيد بمائة وهو يساوي مائتين على أن يتصدق بثمنه فامتنع زيد من ابتياعه بيع على غيره بالمائتين ولم يبع على غيره بالمائة ؛ لأن المحاباة قد كانت وصية لشخص لم يقبلها فبطل حكمها .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أن يصرف إلى غيره جميع المائة وكان المقصود منها صرف جميعها في الحج ، والتعيين يستفاد به تقديم المستحق ، والأول أقيس وبنص الشافعي أشبه ، وإن كان زيد وارثا لم يجز أن يحج بها ؛ لأنها وصية ، والوصية لا تصح لوارث ، فعلى هذا في بطلانها وجهان على ما مضى .

                                                                                                                                            والقسم الثاني : أن لا يعين من يحج عنه ولا يعين القدر الذي يحج به عنه ؛ وهو أن يقول أحجوا عني ، فالواجب أن يستأجر رجلا يحج عنه بأقل ما يوجد أحد يحج به ويكون ذلك في الثلث أيضا ؛ لأنه تطوع ليس بواجب ، فإن حج بذلك وارث جاز ، فإن قيل : أليس ما كان محله في الثلث وصية والوصية لا تصح لوارث فهلا منعتموه من ذلك ؟ قيل إنما يمنع من الوصية له وليس يمنع من أن يعاوض على ما ينفذ في الوصايا ؛ ألا ترى أنه لو وصى بابتياع عبد يعتق عنه أو طعام يتصدق به عنه جاز أن يبتاع ذلك من الوارث بثمن مثله ؟ لأن ذلك وإن كان محله في الثلث فهو ليس يأخذه وصية وإنما يأخذه معاوضة ؛ فكذلك في الحج لأنه يأخذ أجرة مثله عوضا من عمله .

                                                                                                                                            والقسم الثالث : أن يعين من يحج عنه ولا يعين القدر الذي يحج به عنه وهو أن يقول : أحجوا عني زيدا ، فالواجب أن يدفع إلى زيد أقل ما يوجب من يحج به وارثا كان أو غير وارث ، فإن امتنع زيد من قبول ذلك ، ففي بطلان الوصية وجهان .

                                                                                                                                            والقسم الرابع : أن لا يعين من يحج عنه ويعين القدر الذي يحج به عنه ؛ وهو أن يقول أحجوا عني بمائة دينار ، فتصرف إلى غير وارث إذا كانت أكثر من أجرة المثل ؛ لأنها وصية ، فإن عرضت على شخص فلم يقبلها نقلت إلى غيره ؛ لأنها غير معينة في شخص بعينه .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية