الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فإذا ثبت أن وقت الوقوف بعرفة من زوال الشمس إلى طلوع الفجر ، فمتى حصل بها في هذا الزمان مقيما أو مختارا نائما أو مستيقظا ، عالما أو غير عالم ، من ليل أو نهار ، فقد حصل له الوقوف بعرفة ، وأدرك به الحج .

                                                                                                                                            وقال مالك : إدراك الوقوف بعرفة يعتبر بالليل دون النهار ، فإن وقف بها ليلا ونهارا أجزأه وقوف الليل ، وكان وقوف النهار تبعا ، وإن وقف بها ليلا أجزأه ، وإن وقف بها نهارا لم يجزه [ ص: 173 ] استدلالا برواية ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أدرك عرفة ليلا فقد أدرك الحج ، ومن فاته عرفة ليلا ، فقد فاته الحج .

                                                                                                                                            والدلالة على صحة ما قلنا رواية عامر ، عن عروة بن مضرس ، أنه حج فلم يدرك الناس إلا ليلا فجمع ، فانطلق إلى عرفات ، فأفاض منها ثم رجع إلى جمع ، فأتى رسول صلى الله عليه وسلم فقال : أكللت مطيتي ، وأتعبت نفسي ، فهل لي من حج ، فقال : من صلى معنا صلاة الغداة بجمع ، ووقف معنا حتى يفيض وقد أفاض من عرفات قبل ذلك ليلا كان أو نهارا ، فقد قضى تفثه ، وتم حجه ؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قصد الموقف نهارا ، وانصرف منه ليلا ، فجعل النهار وقتا للوقوف ، وجعل الليل وقتا لترك الوقوف ، فعلم أن النهار مقصود ، والليل تبع .

                                                                                                                                            فأما حديث ابن عمر ، ففيه دليل على إدراك الليل ، وتنبيه على إدراك النهار ؛ ولأن حكم آخر الوقت ، إما أن يكون مثل أوله أو أضعف ، ولا يجوز أن يكون أقوى منه فلما جعله النبي صلى الله عليه وسلم مدركا بآخره ، وهو الليل ، كان أولى أن يكون مدركا بأوله وهو النهار .

                                                                                                                                            فإن قيل : فهذا يصح في قوله " من أدرك عرفة ليلا ، فقد أدرك الحج " فأما في قوله " ومن فاته عرفة ليلا فقد فاته الحج " فلا ، قيل يكون دليل أول الكلام تنبيهة يصرف ظاهر آخره إلى دليل أوله .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية