الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وسواء ما قتل في الحرم أو في الإحرام " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : فهو مضمون بالجزاء ، وبه قال جماعة من الفقهاء ، وقال داود بن علي : صيد الحرم حرام إلا أنه غير مضمون بالجزاء تعلقا بقوله تعالى : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم [ المائدة : 95 ] ، فأوجب الجزاء على الحرم ، والحرم جمع حرام ، والحرام هو من عقد الإحرام ، فأما من أوى إلى الحرم فلا يقال له حرام ، وإنما يقال له محرم ، قال : ولأن الحرم لو كان مانعا من قتل الصيد [ ص: 315 ] موجبا للجزاء فيه لكان مانعا من قتل ما أدخل من الصيد إليه موجبا للجزاء فيه ، فلما لم يكن الحرم مانعا من قتل ما أدخل إليه لم يكن مانعا من قتل ما دخل فيه ، والدلالة عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الضبع صيد ، وفيه إذا أصابه المحرم كبش ، فأوجب على المحرم جزاء ما قتل ، ومن دخل الحرم يسمى محرما ، كما يقال : قد أنجد إذا دخل نجدا ، وأتهم إذا دخل تهامة ، وأحرم إذا دخل الحرم ، قال الراعي :


                                                                                                                                            قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ودعا فلم أر مثله مقتولا

                                                                                                                                            وإنما سماه محرما : لأنه كان بالمدينة ، وهي حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما يقال لمن أحل القتال في الحرم محل ، وإن لم يحلل من إحرامه ، وقيل لعبد الله بن الزبير : المحل : لإحلاله القتال فيه ، قال الشاعر في رملة بنت الزبير :


                                                                                                                                            ألا من لقلب معنى عزل     بذكر المحلة أخت المحل

                                                                                                                                            ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم وهو ما روي عن عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس أنهم أوجبوا في حمام مكة شاة ، وإنما أوجبوها على المحل إذ لو كان على المحرم لما اختص بحمام مكة دون غيرها : لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر تميم بن أسد الخزاعي عام الفتح يجدد أنصاب الحرم فعلم أنه إنما أمر بذلك لوقوع الفرق بين صيده وصيد غيره وشجره وشجر غيره : ولأن حرمة الحرم قد تكون أوكد من حرمة الإحرام ؛ لأن الإحرام إنما يراد لدخول الحرم ، فلما وجب جزاء الصيد بحرمة الإحرام كان وجوبه بحرمة الحرم أولى ، فأما الآية فلا تنفي وجوب الجزاء على غير المحرم ، فلم يكن فيها دلالة ، وأما قولهم : إن المحرم لما لم يمنع من قتل ما أدخل إليه لم يمنع من قتل ما دخل فيه ، فغير صحيح : لأن ما أدخل إليه قد سبقت حرمة الملك حرمة الحرم ، فلذلك لم يمنع من قتله ، وليس كذلك ما دخل فيه : لأن حرمة الحرم قد استقرت له ، ألا ترى أنه لو أدخل صيدا الحرم وأطلقه حرم قتله : لأنه قد استقرت له حرمة الحرم بزوال اليد عنه ؟

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية