الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فأما صيد الحل إذا صاده محل ثم أحرم فهل يزول ملكه عن الصيد بإحرامه أم لا ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن ملكه لا يزول عنه ، ولا يضمنه إلا بالجناية عليه ، وبه قال في " الإملاء " ؛ لأن الإحرام عبادة ، فوجب أن لا يزيل الملك كسائر العبادات ، ولأنه ملك لمحل ، فوجب أن لا يزول ملكه عنه بالإحرام كسائر الأموال .

                                                                                                                                            والقول الثاني : أن ملكه قد زال عنه بإحرامه ، وإن تلف فعليه ضمانه ، ووجهه : أنه صيد يلزمه الجزاء بقتله ، فلم يصح أن يكون في ملكه قياسا على ابتداء صيده في إحرامه : ولأن كل شيء لا يراد للبقاء ، فإذا منع الإحرام من ابتدائه منع من استدامته ، كاللباس طردا والنكاح عكسا ، فإذا تقرر توجيه القولين فإذا قلنا بالقول الأول وأن ملكه لا يزول عنه بإحرامه فحكمه حكم سائر أمواله إلا في شيء واحد وهو أنه لا يجوز ذبحه ، فإن ذبحه فعليه الجزاء ، وما سوى ذلك ففعله جائز فيه ، فيجوز أن يبيعه ويهبه ، ولا يلزمه تخليته ، وإن قتله غيره كان عليه قيمته ، وإن أرسله كان أحق به من غيره ، وإذا حل من إحرامه جاز أن يذبحه ولا جزاء عليه ، وإن مات إحلاله فلا شيء عليه ، وإن قلنا بالقول الثاني : أن ملكه قد زال عنه بإحرامه فحكمه حكم ما صاده من إحرامه ، فلا يكون مالكا له وعليه تخليته ، ولا يجوز له بيعه ولا هبته ، فإن وهبه لغيره كان ضامنا له حتى يرسله الموهوب له ، وإن أرسله من يده فهو وغيره فيه سواء ، وإن اغتصبه غيره من يده فأرسله فلا شيء على مرسله ، وإن مات في يده فعليه جزاؤه ، وإن قتله غيره نظر في القاتل فإن كان محلا فالجزاء على المحرم : لأنه ضمنه باليد ، وإن كان القاتل محرما فعلى وجهين كما قلنا في الممسك والقاتل إذا كانا محرمين :

                                                                                                                                            أحد الوجهين : أن الجزاء عليهما نصفين : لأن الممسك ضامن بيده ، والقاتل ضامن بفعله .

                                                                                                                                            [ ص: 318 ] والوجه الثاني : أن الجزاء كله على القاتل : لأنه مباشر ، فأما إن حل من إحرامه والصيد في يده ، فعلى هذا القول عليه إرساله ، فإن قتله بعد إحلاله فمنصوص الشافعي : أن عليه الجزاء : لأنه قد كان ضامنا له باليد .

                                                                                                                                            وفيه وجه آخر لبعض أصحابنا : أنه لا جزاء عليه : لأنه محل قاتل لصيد في الحل وعلى هذا الوجه لا يلزمه أن يرسله لو لم يقتله ، وهذا ليس بصحيح ، لأن الجزاء لم يجب عليه بفعله ، وإنما وجب عليه بيده .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية