الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فإذا ثبت أن جزاء الصد على التخيير فقاتل الصيد مخير بين المثل من النعم وبين الإطعام وبين الصيام ، فإن اختار المثل من النعم فقد ذكرنا أن عليه مثله في الشبه والصورة من غير تقويم وقد مضى حكمه ، وخلاف أبي حنيفة فيه : وإن اختار الإطعام فإنه يقوم المثل دراهم ، يشتري بالدراهم طعاما يتصدق به ، وقال مالك : يقوم الصيد دون المثل [ ص: 300 ] مع موافقته على إخراج المثل استدلالا بأن الإطعام إنما وجب بقتل الصيد كما أن المثل إنما وجب بقتل الصيد ، فلما كان المثل معتبرا بالصيد وجب أن يكون الإطعام معتبرا بالصيد ، ولأنه إذا عدل عن المثل إلى الإطعام فقد استوى حكم ما له مثل وما لا مثل له في تقويم الصيد ، ولأن ضمان الصيد ضمان متلف وسائر المتلفات تعتبر فيها قيمة المتلف لا قيمة مثله - فكذا الصيد يجب أن يعتبر فيه قيمة الصيد المتلف لا قيمة مثله ، والدلالة عليه قوله تعالى : فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين [ المائدة : 95 ] ، وفي الآية دليلان : أحدهما : قوله تعالى : فجزاء مثل ما قتل من النعم فرفع الجزاء وجر المثل على قراءة كثير من القراء فأوجب عليه بظاهر هذه القراءة جزاء مثل المقتول ، ولم يوجب جزاء المقتول ، والدلالة الثانية منها قوله تعالى : أو كفارة طعام مساكين يعني كفارة ما تقدم ذكره ، وقد تقدم ذكر الصيد والمثل فلم يجز أن ترجع إليها جميعا ، وإنما ترجع الكفارة إلى أحدهما ، ورجوعها إلى المثل دون الصيد أولى : لأنه أقرب المذكورين ، ولأن الإطعام قد يتقدمه المثل ويتعقبه الصيام ، فلما كان ما يتقدمه من المثل معتبرا بما يليه وهو الصيد ، وما يتعقبه من الصيام معتبرا بما يليه من الإطعام ، وجب أن يكون الإطعام معتبرا بما يليه وهو المثل ، وتحرير ذلك قياسا أنه مخرج في الجزاء ، فوجب أن يكون معتبرا بما يليه في التلاوة كالمثل والصيام ، فأما الجواب عن استدلاله بأن المثل لما كان معتبرا بالصيد ، وجب أن يكون الإطعام معتبرا بالصيد : وهو أن يقال : إنما اعتبر المثل بالصيد : لأنه يليه في التلاوة ، فوجب أن يكون الإطعام مثله معتبرا بما يليه في التلاوة ، وقد جعلنا ذلك دليلا .

                                                                                                                                            وأما ما ذكره مما لا مثل له ، فإنما اعتبر فيه قيمة الصيد لعدم المثل ، وليس كذلك ما له مثل ، وأما قوله : إنه لما كان في سائر المتلفات تعتبر قيمتها دون أمثالها ، فكذلك في الصيد ، قلنا الاعتبار في سائر المتلفات قيمة أمثالها دون المتلفات في أنفسها : لأنه يقال : كم قيمة هذا المتلف ؟ إلا أن ما له مثل من جنسه قد تستوي قيمته وقيمة مثله ، وما لا مثل له من جنسه كالصيد قد تختلف قيمته وقيمة مثله .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية