الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : والدلالة على أن الإفراد أفضل ما روي عن عائشة وابن عمر وجابر وابن عباس رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج .

                                                                                                                                            وروي عن جابر ، وهو صاحب المناسك وأحسن الجماعة سياقا لها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم سنة تسع إحراما موقوفا لا بحج ولا بعمرة فلما بلغ بين الصفا والمروة وقف ينتظر القضاء ، ثم أهل بالحج وروى زيد بن أسلم أن رجلا سأل ابن عمر عن إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أقرن الحج فأتاه في السنة الثانية فسأله عن إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال قد أنبأناك به في العام الأول فقال الرجل : إن أنس بن مالك أتانا فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن فقال إن أنس بن مالك كان يحج على النساء وهن مكشفات الرؤوس من صغره وأنا تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسني لعابها وكنت اسمعه يقول لبيك بحج ، وروى نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل عتاب بن أسيد على الحج سنة ثمان فأفرد الحج ثم استعمل أبا بكر رضي الله عنه سنة تسع فأفرد الحج ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم فاستخلف أبو بكر عمر على الحج سنة إحدى عشرة فأفرد الحج ، ثم استخلفه سنة اثنتي عشرة فأفرد الحج ثم توفي أبو بكر رضي الله عنه واستخلف عمر رضي الله عنه ، فبعث عبد الرحمن بن عوف سنة ثلاث عشرة ، فأفرد الحج ثم حج عمر فأفرد الحج في تسع حجج ، ثم توفي عمر ، واستخلف عثمان ، فأفرد الحج فثبت بهذه الرواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف رضوان الله عليهم أفردوا الحج ، ولأن المفرد يأتي بعمل العبادتين على كمالها من غير أن يخل بشيء منها ، فكان أولى من القارن الذي قد أدخل إحدى العبادتين في الأخرى ، واقتصر على عمل إحديهما ولأن إيقاع العشرة في أشهر الحج رخصة ، وإيقاعها في غير أشهر الحج عزيمة لأنهم كانوا في أول الإسلام يمتنعون من العمرة في أشهر الحج ، حتى أرخص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والأخذ بالعزيمة أولى من الرخصة ، ألا ترى أنه لما كان الجمع بين الصلاتين في وقت إحديهما رخصة ، كان فعل كل واحدة منهما ، في وقتها أفضل من الجمع بينهما في وقت إحديهما ولأن التمتع والقران يجب فيهما دم ، والدماء الواجبة في [ ص: 46 ] الحج إنما تجب على طريق الجبران للنقص ، لأنها تجب لترك مأمور به ولارتكاب محظور ، وليس في الحج دم يجب لغير هذين المعنيين ، ألا ترى أنه لو أتى بالحج أولا ، ثم بالعمرة آخرا ، ولم يلزمه دم لعدم النقص فإذا قرن بينهما أو أتى بالعمرة في وقت الحج ، ثم حج لزمه دم ولو عاد المتمتع إلى ميقات بلده ، سقط عنه الدم ، فعلمت أن ذلك لأجل ترك الميقات ، والنقص الحاصل من جهة الجمع والتمتع فأما الجواب عن حديث من روى أنه قرن فمن وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن رواية عائشة وجابر وابن عمر أولى لتقدم صحة حديث جابر ، وحسن مساقه لابتداء الحديث ، وآخره ولرواية عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وفضل حفظها عنه وقرب ابن عمر منه .

                                                                                                                                            والثاني : أن مع ما روينا من فعله قولا يرد ما ذهبنا إليه ، وهو قوله لو استقبلت من أمري ما استدبرت فكان أولى من فعل مجرد ، وقد اختلف في نقله ، وأما الاستعمال فمن روى أنه قرن أراد أنه أتى بالعمرة عقيب الحج ، وصار كالجمع بين الصلاتين التي يفعل إحديهما عقيب الأخرى ، ومن روى أنه أهل بالحج والعمرة فيعني أنه أهل بالحج في وقت وبالعمرة في آخر ، فأدرج الراوي ، وأضاف ذلك إلى وقت واحد ، كما روي أنه نهى عن استقبال القبلتين ، وإنما نهى عن استقبال بيت المقدس حيث كان قبلة ، وعن استقبال الكعبة حين صارت قبلة وأما حديث علي بن أبي طالب ، فقد روى عنه محمد بن إسحاق بن خزيمة خلاف هذا ، وهو أنه قال : بماذا أهللت قال أهللت بالحج وروي أنه قال أفردت فتعارضت الروايتان ، وسقطتا وأما قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه للصبي بن معبد هديت لسنة نبيك ، فإنما أراد به جوازه في السنة لما روي أن زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة أنكرا على الصبي بن معبد القران وقالا لهذا أضل من بعير أهله فأراد عمر بمقالته إنكارهما وأعلمهما أنه هدى لا ضلال وأما قولهم أنه يتعجل بقرانه فعل عملين ، في أشرف الزمانين فغلط ، لأن فعل كل عبادة في وقتها أفضل من جمعها مع غيرها كالجمع بين الصلاتين وليس وقت الحج زمانا شريفا للعمرة ، وإنما هو شريف للحج وفعل العمرة فيه رخصة ، وأما قولهم : إن فيه زيادة فقد أنبأناهم أن الدم لجبران نقص ، ولا نسلم لهم جوازا كله بحال وقد وافقوا في المكي ، إذا قرن أن عليه دما ، ولا يجوز له الأكل منه ، وأنه دم نقص لا نسك ، وكذلك غير المكي وأما من روى أنه تمتع ، فإنما أراد به تمتع بين الإحرامين ، وأما حديث [ ص: 47 ] حفصة وقولها ما بالهم حلوا ، ولم تحل من عمرتك فمعناه لم تحل من إحرامك فأخبرها ، أنه ليس بمعتمر كأصحابه ، وذكر لها السبب فقال لبدت رأسي ، وقلدت هديي لا أحل حتى أنحر يعني : حتى يحل الحج ، لأن القضاء نزل عليه أن يجعل من كان معه هدي إحرامه حجا ، ومن لم يكن معه هدي يجعل إحرامه عمرة ، وأما حديث جابر ، وقوله لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ، ولجعلتها عمرة فليس فيه دليل على أن التمتع أفضل ، ولا أنه خفي عليه الأفضل ، وإنما خرج ذلك على سبب وذلك أنه لما أخبرهم بفسخ حجهم إلى العمرة ، والتحلل منها شق عليهم ، واستعظموه لأمرين :

                                                                                                                                            أحدهما : أنهم رأوه مقيما على إحرامه لم يتحلل منه فظنوا أنه أراد بهم التخفيف والتسهيل فتوقفوا عن المبادرة عنه في الأغلظ دون الأخف .

                                                                                                                                            والثاني : أنهم كانوا يستعظمون العمرة في أشهر الحج ، ويرون ذلك من أعظم الكبائر فلما دعاهم إلى التحلل بعمل عمرة عظم عليهم ، وقالوا ، كيف نعدو إلى منى ومذاكيرنا تقطر منيا يعنون به استباحة النساء بين الإحرامين ، فقال صلى الله عليه وسلم إما على طريق الزجر لهم ، أو التطييب لنفوسهم ما قاله بمعنى إني لو علمت أنكم تختلفون علي أو تتوقفون لما سقت الهدي الذي قد منعني من التحلل ولجعلتها عمرة حتى أكون مثلكم ، فإن قيل : فكيف يمنعه سوق الهدي من التحلل بالعمرة وهذا غير مانع ، بل نحر الهدايا إذا وصلت إلى الحرم جائز قيل له : فيه ثلاثة معان :

                                                                                                                                            أحدها : أنه لما أمر أصحابه بفسخ حجهم إلى العمرة شق عليهم ، وكان أكثرهم لا هدي معه بل روي أنه لم يكن فيهم من ساق هديا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وطلحة بن عبيد الله فجعل سوق الهدي علما في جواز البقاء على الحج .

                                                                                                                                            والثاني : أنه كان قد أوجب على نفسه سوق هديه إلى محله بالحج ، وأنه لا ينحرها إلى يوم النحر عند التحلل ، فلذلك ما امتنع .

                                                                                                                                            والثالث : أنه لم يأمن إن نحر هديه بمكة عند إحلاله من عمرته بين الصفا والمروة أن يصير الموضع سنة لنحر الهدي ، ومعدنا للأنجاس فيضيق على أهل مكة ويستضروا فإن نحر هديه إلى إحلاله بحجه من منى ، وأي هذه المعاني كان فقد زال اليوم حكمه .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية