الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فإذا ثبت تحديد المواقيت بما ذكرنا ، فلا يجوز مجاوزتها بالإحرام ، ويجوز التقدم عليها بالإحرام ، وفي الأولى قولان :

                                                                                                                                            أحدهما : وهو قوله في الإملاء أن الأولى أن يحرم الرجل من دويرة أهله بعد أخذه في السير ، فأما قبل أخذه فلا ، وبه قال أحمد وإسحاق لقوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله [ البقرة : 196 ] ، وقد قال عمر وعلي رضوان الله عليهما : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك ، قال الشافعي : والإتمام أفضل ، وروت أم سلمة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أحرم من المسجد الأقصى غفر له ، وروي أن عبد الله بن عمر أحرم من بيت المقدس ، وروي أن عبد الله بن عباس أحرم من الشام ، وروي أن عبد الله بن عامر بن [ ص: 70 ] كريز أحرم من هراة خراسان في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ولم يرو عن أحد من الصحابة إنكار ذلك عليه ، وعدوه من فضائله ، مع أنه كان واليا تحصى آثاره ، وتعد هفواته : ولأن الإحرام نسك ، وقطع المسافة طاعة ، فكان فعله أولى من تركه .

                                                                                                                                            والقول الثاني : إن الإحرام من الميقات أولى : وبه قال من التابعين عطاء ، والحسن .

                                                                                                                                            ومن الفقهاء مالك بن أنس ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج مرة واعتمر ثلاثا ، فأحرم في جميعها من الميقات ، ولم يحرم في شيء منها قبل الميقات ، ولو كان الإحرام قبل الميقات أفضل ، وهو لا يعدل عن الأفضل لاختياره لنفسه ولفعله ولو مرة ينبه الناس على فضله ، وروي عن عمران بن حصين أنه أحرم من البصرة ، فأنكر عليه عمر بن الخطاب ، وأغلظ له ، وقال : يحدث أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من مصر من الأمصار ، ولأن ترك الإحرام قبل الميقات مباح ، وفعل المحرم ، ما نهي عنه من الطيب ، واللباس ، وإتيان النساء معصية ، وهو إذا أحرم لم يأمن مواقعة المعصية باللباس والجماع المقتضي إلى الإفساد ، فكان ترك ما هو مباح من الإحرام لأجل ما هو معصية من اللباس والجماع أولى ومن الغرر أبعد .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية