الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        المطلب العاشر بيع المنفعة الموصى بها

        اختلف الفقهاء في حق الموصى له في بيع ماله من المنفعة، وإسقاط حقه مقابل عوض يأخذه على أقوال:

        القول الأول: يجوز بيع المنفعة للوارث وغيره.

        وهو قول للشافعية.

        وحجته: أن المنفعة مال، فجازت المعاوضة عليه.

        القول الثاني: يجوز بيع ذلك للورثة دون الأجنبي، سواء كانت الوصية بالسكنى، أو الخدمة، أو الغلة، أو الثمار.

        وأجازوا للوارث شراء قدر حصته من الوصية، واختلفوا في شرائه الجميع، فأجازه بعضهم، قياسا على شراء الورثة.

        ومنعه آخرون; لأنه أجنبي في حق شركائه.

        [ ص: 114 ] وبه قال المالكية .

        وقال ابن القاسم لا يجوز للورثة شراء الثمرة قبل طيبها إن كانت الوصية مؤقتة كسنة مثلا.

        وحجته:

        1 - القياس على العمرى، وعلى العرية يجوز بيعها للمعمر، والمعري، وورثتهما، خلافا لسحنون في منعه ذلك، إلا لضرورة.

        2 - أن شراء الورثة منافع الموصى بمنفعته مقصود به تخليص العين الموصى بمنفعتها، وتحريرها من الوصية، فهو بمنزلة فداء العبد الجاني، بخلاف شراء الأجنبي، فإن المقصود منه أصالة هو المنفعة، ولا غرض له بالعين، ولذلك يشترط فيه ما يشترط في البيع والشراء، فلا يجوز هنا; لما يلزم على ذلك من شراء المعدوم وبيع الثمار قبل بدو صلاحها، أو قبل وجودها، إذا كانت الوصية بغلة الأشجار، وبيع نتاج الحيوان، ولما في ذلك من الغرر والجهل.

        3 - وحجة ابن القاسم: النهي عن شراء الثمرة قبل بدو صلاحها، ولأنه لا عذر لهم لتمكنهم من بيع الأصول، فلا يرخص لهم في شراء ما لم يبد صلاحه.

        القول الثالث: يجوز بيعها للورثة دون غيرهم، سواء كانت الوصية بالمنفعة، أو الغلة، أو السكنى، أو الخدمة.

        وبه قال الحنفية .

        قال الكاساني: « فإن اشترى الموصى له البستان من الورثة بعد موته جاز [ ص: 115 ] الشراء، وبطلت الوصية; لأنه ملك العين بالشراء، فاستغنى بملكها عن الوصية كمن استعار شيئا، ثم اشتراه أنه تبطل الإعارة.

        وكمن تزوج أمة إنسان، ثم اشتراها يبطل النكاح لما قلنا، كذا هذا.

        وكذلك لو أعطوه شيئا على أن يبرأ من الغلة.

        وكذلك سكنى الدار، وخدمة العبد إذا صالحوه منه على شيء جاز، وتبطل الوصية; لأن له حقا، وقد أسقط حقه بعوض، فجاز كالخلع، والطلاق على مال » .

        وحجته: القياس على الخلع والطلاق على مال بجامع أن كلا إسقاط حق مقابل مال فاغتفر فيه الغرر.

        القول الرابع: أنه لا يجوز بيعها مطلقا.

        وبه قال أبو يوسف، وهو قول للشافعية.

        وحجته: أنه حق لا يورث، ولأنه حق غير مالي، والبيع من شرطه وروده على مال.

        والأقرب: جواز بيع المنفعة الموصى بها مطلقا; إذ الأصل الحل، إلا إذا ترتب على ذلك محذور شرعي كبيع معدوم تضمن غررا، كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، والحمل المعدوم.

        التالي السابق


        الخدمات العلمية