الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        [ ص: 466 ] المبحث الثاني

        المبطل الثاني: التصرف في الوصية

        وهو كل ما دل على العدول عن الوصية بواسطة العرف أو القرينة.

        وقد أجمع الفقهاء -رحمهم الله- على أن الموصي إذا تصرف في الموصى به بما يزيل اسمه، أو يخرجه عن ملكه أن ذلك رجوع عن الوصية.

        قال ابن المنذر في الإجماع: « وأجمعوا أن الرجل إذا أوصى لرجل بجارية فباعها ، أو بشيء ما فأتلفه، أو وهبه ، أو تصدق به أن ذلك كله رجوع » .

        التصرف في الوصية ينقسم إلى أقسام:

        القسم الأول: التصرف الذي لا يعتبر رجوعا باتفاق الفقهاء:

        وهو عبارة عن التصرف في الموصى به بما لا يغير حقيقة، ولا يخرجه عن ملك الموصي، كالانتفاع بذاته، أو بغلته، أو بما يعود نفعه عليه، أو على الموصى له.

        فإن انتفع الموصي بذات الموصى به مع بقاء عينه، كالركوب، واللبس، [ ص: 467 ] أو انتفع بغلته كالإجارة، أو جعل غيره ينتفع به كالإعارة مع بقاء العين الموصى بها، أو تصرف بما فيه يرجع نفعه للموصى به، كإصلاحه، وكتعليم الحيوان أو العبد، أو تجصيص الدار، أو غسل الثوب، فهذا النوع من التصرف لا يعتبر رجوعا في الوصية باتفاق الفقهاء; لأن هذه الأفعال تعلقت بأمر خارج عن عين الموصى به، فلا تدل على الرجوع، ولا منافاة بينها وبين الوصية، ولأن للموصي حق الانتفاع بالعين الموصى بها أو بغلتها قبل موته، كما له حق التصرف بما يرجع نفعه للموصى به أو الموصى له، وليس في شيء من ذلك ما يناقض الوصية، ولا يخرج هذا التصرف الموصى به من ملك الموصي، فلم تبطل الوصية.

        قال السرخسي: « وأما إذا زاد شيئا يتوصل به إليه بغير بذل كما إذا أوصى بدار، ثم جصصها، أو طينها، فذلك لا يكون رجوعا; لأن ذلك تحسين وتزيين ويتوصل إليه بغير بذل، فلم يكن رجوعا، وكان ذلك دليل البقاء على الوصية.

        وكذلك لو أوصى له بثوب، ثم غسله لم يكن رجوعا ; لأنه ليس بزيادة، وإنما ذلك لإزالة الدرن والوسخ » .

        قال الكاساني: « ولو أوصى بثوب ثم غسله أو بدار ثم جصصها أو هدمها لم يكن شيء من ذلك رجوعا; لأن الغسل إزالة الدرن والوصية لم تتعلق به فلم يكن الغسل تصرفا في الموصى به، وتجصيص الدار ليس تصرفا [ ص: 468 ] في الدار بل في البناء; لأن الدار اسم للعرصة والبناء بمنزلة الصفة، فيكون تبعا للدار والتصرف في التبع لا يدل على الرجوع عن الأصل، ونقض البناء تصرف في البناء، والبناء صفة وإنها تابعة » .

        قال الخرشي: « وكذلك لا تبطل الوصية إذا أوصى له بأمة ثم زوجها أو بعبد ثم زوجه; لأن الملك لم ينتقل، وكذلك لا تبطل الوصية إذا أوصى بعبده ثم علمه الموصي صنعة... وكذلك لا تبطل وصية من أوصى لشخص بدار، أو بثوب أو سويق، ثم إن الموصي جصص الدار بالجير ونحوه، أو صبغ ذلك الثوب، أو لت ذلك السويق بالسمن، ويأخذ الموصى له ما ذكر بزيادته ; لأن ما أوصى به يطلق على ما حصل فيه الزيادة فلم يتغير الاسم » .

        وفي حاشية الصاوي على الشرح الصغير: « (و ) لا تبطل (بتزويج رقيق ) : أي: أوصى به لشخص ثم زوجه، (و ) لا تبطل بـ (تعليمه ) صنعة: فإذا أوصى برقيق لزيد، ثم علمه صنعة فلا تبطل، وشاركه الوارث بقيمة التعليم، (و ) لا تبطل (بوطء ) من الموصي لجاريته التي أوصى بها لزيد، وتتوقف لينظر هل حملت فتبطل أو لا فيأخذها الموصى له » .

        قال زكريا الأنصاري: « (وليس التزويج والختان والتعليم ) والاستخدام (والإعارة والإجارة ) للموصى به (والركوب ) للمركوب (واللبس ) للثوب (والإذن ) للرقيق (في التجارة رجوعا ) إذ لا إشعار لها به، بل هي إما انتفاع وله المنفعة والرقبة قبل موته، وإما استصلاح محض، وربما قصد به إفادة الموصى له » .

        [ ص: 469 ] وفي تحفة المحتاج: « وليس التزويج والختان والتعليم: أي: لصنعة، والإعارة والإجارة والركوب واللبس والإذن: أي: للرقيق في التجارة رجوعا » .

        قال ابن قدامة في المغني: « وإن غسل الثوب، أو لبسه، أو جصص الدار، أو سكنها، أو أجر الأمة، أو زوجها، أو علمها، أو وطئها، لم يكن رجوعا; لأن ذلك لا يزيل الملك ولا الاسم، ولا يدل على الرجوع » .

        وفي شرح منتهى الإرادات: « أو بنى، أو غرس، أو وطئ أمة موصى بها ولم تحمل من وطئه، أو لبس ثوبا موصى به، أو سكن موصى به من دار بستان، أو بيت شعر ونحوه فليس رجوعا; لأنه لا يزيل الملك ولا الاسم ولم يمنع التسليم، كغسل ثوب موصى به ، أو كنس دار موصى بها، أو علم رقيقا موصى به صنعة » .

        التالي السابق


        الخدمات العلمية