الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        [ ص: 288 ] المبحث السادس عشر

        الوصية في سبيل الله

        إذا قال: هذه الوصية تصرف في سبيل الله:

        اتفق الفقهاء: على أن الغزاة ممن يشملهم مصرف سبيل الله.

        واختلفوا فيما عدا ذلك على أقوال عدة:

        القول الأول: المراد بالمصرف في سبيل الله هو الغزو، وهو قول أبي يوسف من الحنفية ، ومذهب المالكية ، والشافعية ، ورواية عند الحنابلة ، رجحها ابن قدامة.

        القول الثاني: المراد بمصرف سبيل الله هو الغزو والحج والعمرة.

        وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية ، ومذهب الحنابلة .

        القول الثالث: المراد بمصرف سبيل الله جميع القرب والطاعات، وهو منسوب لبعض الفقهاء، وقال به بعض المعاصرين.

        [ ص: 289 ] القول الرابع: المراد بذلك المصالح العامة.

        وهو قول بعض المعاصرين.

        القول الخامس: المراد بذلك الجهاد بمعناه العام (جهاد اليد والمال واللسان ) فيشمل ذلك القتال في سبيل الله ، والدعوة إلى الله، وهو ما صدر به قرار المجمع الفقهي الإسلامي، والندوة الأولى لقضايا الزكاة المعاصرة.

        الأدلة:

        أدلة القول الأول:

        1 - قوله تعالى: وفي سبيل الله .

        أن المراد من سبيل الله عند الإطلاق هو الغزو، وأكثر ما جاء في القرآن هو من ذلك.

        ونوقش: بعدم التسليم; فالواجب عند عدم النقل الشرعي الأخذ بالمعنى اللغوي، وهو يدل على العموم.

        (234 ) 2 - ما رواه أبو داود: حدثنا الحسن بن علي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها ، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه بها فأهدى منها لغني .

        (الصواب مرسل، قاله الدارقطني وغيره ) .

        [ ص: 290 ] ........................................

        [ ص: 291 ] وجه الدلالة: أنه ذكر منهم الغازي، وليس في الأصناف الثمانية من يعطى باسم الغزاة إلا الذين نعطيهم من سهم سبيل الله تعالى.

        ونوقش: بأن غاية ما يدل عليه أن المجاهد يعطى من سهم سبيل الله ولو كان غنيا، وسبل الله كثيرة لا تنحصر في الجهاد في سبيل الله.

        أدلة القول الثاني:

        (235 ) 1 - ما رواه الإمام أحمد من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: أخبرني رسول مروان الذي أرسل إلى أم معقل قال: قالت: جاء أبو معقل مع النبي -صلى الله عليه وسلم- حاجا، فلما قدم أبو معقل قال: قالت أم معقل: إنك قد علمت أن علي حجة وإن عندك بكرا فأعطني فلأحج عليه، قال: فقال لها: إنك قد علمت أني قد جعلته في سبيل الله، قالت: فأعطني صرام نخلك، قال: قد علمت أنه قوت أهلي، قالت: فإني مكلمة النبي -صلى الله عليه وسلم- وذاكرته له، قال: فانطلقا يمشيان حتى دخلا عليه، قال: فقالت له: يا رسول الله، إن علي حجة وإن لأبي معقل بكرا، قال أبو معقل: صدقت، جعلته في سبيل الله، قال: « أعطها فلتحج عليه، فإنه في سبيل الله » ، قال: فلما أعطاها البكر قالت: يا رسول الله، إني امرأة قد كبرت وسقمت، فهل من عمل يجزئ عني عن حجتي؟ قال: فقال: « عمرة في رمضان تجزئ لحجتك .

        [ ص: 292 ] ونوقش: أولا: بضعف الحديث.

        ثانيا: أن الزكاة إنما تصرف إلى أحد رجلين، محتاج إليها كالفقراء [ ص: 293 ] والمساكين، وفي الرقاب والغارمين لقضاء ديونهم، أو من يحتاج إليه ، كالعامل والغازي والمؤلف والغارم لإصلاح ذات البين، والحج من الفقير لا نفع للمسلمين فيه.

        ولا حاجة به إلى الزكاة; لأن الفقير لا فرض عليه فيسقطه، وتكليفه مشقة قد رفعها الله عنه، وتوفير هذا القدر على ذوي الحاجة من سائر الأصناف، أو دفعه في سائر المسلمين أولى.

        (235 ) 2 - ما رواه علي بن الجعد: ثنا شعبة، عن أنس بن سيرين قال: أوصى إلي رجل بماله أن أجعله في سبيل الله ، فسألت ابن عمر، فقال: إن الحج من سبيل الله فاجعله فيه .

        3 - ورود بعض الآثار الدالة على أن الحج من سبيل الله ، كما ورد عن ابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهما-.

        ونوقش: بأن أثر ابن عباس لا يصح، وأما آثار ابن عمر ، فإن سبيل الله الوارد في الآية يفسر بالجهاد; لأنه الغالب عند الإطلاق.

        دليل القول الثالث: أن اللفظ عام، فلا يجوز قصره على بعض أفراده إلا بدليل.

        ونوقش: بأن هذا غير مسلم; فهذا العموم مقيد بظاهر الاستعمال، كما أنه يلزم منه أن يكون كل مصل وصائم، ومتصدق مستحقا للزكاة، ولم يقل بهذا أحد.

        [ ص: 294 ] أدلة القول الرابع:

        (236 ) 1 - ما رواه البخاري من طريق أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل، عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه: أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر، من جهد أصابهم، فأخبر محيصة أن عبد الله قتل وطرح في فقير أو عين، فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه، قالوا: ما قتلناه والله... فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: « إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب » ، فكتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم به، فكتب ما قتلناه ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: « أتحلفون، وتستحقون دم صاحبكم؟ » ، قالوا: لا، قال: « أفتحلف لكم يهود؟ » ، قالوا: ليسوا بمسلمين، فوداه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من عنده مئة ناقة حتى أدخلت الدار، قال سهل: فركضتني منها ناقة » ، وفي لفظ مسلم: فكره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يبطل دمه فوداه مئة من إبل الصدقة .

        وجه الدلالة: أنه إذا جاز دفع الزكاة في دية قتيل دفعا للنزاع، أي: من أجل المحافظة على الأمن، فمن باب أولى جواز صرفها للمحافظة على أمن الناس وحياتهم في الدولة الإسلامية، ورعاية مصالحهم العامة.

        ونوقش من وجوه:

        الوجه الأول: بأن الحديث جاء بلفظ آخر عند البخاري: وفيه: أنه وداه من عنده ، وقد جمع بين الروايتين بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- اشترى تلك الإبل من أهل الصدقة بعد أن ملكوها، ثم دفعها لأهل القتيل.

        الثاني: على التسليم بأنه وداه من أموال الزكاة، فليس ذلك من المصالح العامة.

        الثالث: أن المقصود من إعطاء الدية ليس دفع النزاع فقط، بل هو جزء [ ص: 295 ] من العلة، فإصلاح ذات البين، وتطييب نفوس أولياء المقتول من المقاصد الشرعية لإعطاء الدية، ثم إن علة المحافظة على أمن الناس لا يتحقق في كل المصالح العامة.

        2 - أنه لا يعرف لكلمة سبيل الله في القرآن معنى غير البر العام.

        ونوقش: بأن هذا غير مسلم، فقد جاءت لمعان متعددة، وقد كان الجهاد هو أكثر ما وردت فيه.

        أدلة القول الخامس:

        1 - أن إرادة المعنى الخاص، وهو الجهاد وما في معناه هو الظاهر من أسلوب الحصر، فالتعميم يشمل جهات كثيرة، وهذا ينافي أسلوب الحصر.

        (237 ) 2 - ما رواه أحمد من طريق حماد، عن حميد، عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم .

        وهذا يدل على أن الجهاد لا ينحصر بالسيف والسنان، بل يشمل العلم والبيان.

        [ ص: 296 ] 3 - أن الدعوة إلى الله يراد بها نصرة دين الله، وإعلاء كلمته.

        الترجيح:

        الراجح - والله أعلم - أن يقال: إن مصارف الوصية أوسع من مصارف الزكاة; إذ الحصر إنما ورد في مصارف الزكاة، وعلى هذا فيشمل قوله في سبيل الله كل ما يقرب إلى الله عز وجل من أعمال البر، ويدخل في ذلك دخولا أوليا الجهاد في سبيل الله بالسيف والسنان والعلم والبيان.

        التالي السابق


        الخدمات العلمية