الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        [ ص: 507 ] المبحث العاشر

        المبطل العاشر: خلط الوصية بغيرها

        المراد بالمسألة:

        المراد بخلط الوصية بغيرها: إذا أوصى بشيء معين معلوم، ثم خلطه الموصي بغيره، مثل أن يوصي لزيد بمئة صاع من البر، فإذا خلطه بغيره، فهل هذا رجوع عن الوصية، أم لا؟ تحرير محل النزاع: خلط الموصى به بغيره له ثلاث صور:

        الصورة الأولى: أن يخلط الموصى به بغيره، وأمكن تمييزه منه، كخلط البر بباقلاء، فهذا اتفق الفقهاء -رحمهم الله- على أنه لا يعتبر رجوعا; لإمكان التمييز بينهما.

        الصورة الثانية: أن يخلط الموصي به بغيره، ولا يمكن تمييزه منه، مثل: خلط صاع من صبرة معينة بأجود منها، أو بأردأ منها، ومثل: خلط رطل من زيت معين بزيت آخر، وخلط طعام بطعام، ودقيق معين بدقيق من نوع آخر، وحنطة معينة بحنطة من نوع آخر.

        [ ص: 508 ] فهذا الخلط قد اختلف الفقهاء في كونه رجوعا على قولين:

        القول الأول: أن خلط الوصية بغيرها بأي حال كان لا يعتبر رجوعا في الوصية.

        قال به المالكية .

        القول الثاني: أن ذلك يعتبر رجوعا في الوصية.

        قال به الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة .

        قال ابن عابدين في الدر المختار: « وله: أي: للموصي (الرجوع عنها بقول صريح ) ... (أو ) فعل (يزيد في الموصى به ما يمنع تسليمه إلا به... وتصرف...يزيل ملكه ) ; فإنه رجوع، عاد لملكه ثانيا أم لا، (كالبيع والهبة ) ، وكذا إذا خلطه بغيره بحيث لا يمكن تمييزه » .

        وقال زكريا الأنصاري في أسنى المطالب: « لو (أوصى بصاع حنطة معين ثم خلطه ) بما يتعذر تمييزه منه (فهو رجوع ) وإن خلط بأردأ منها ; لأنه أخرجه عن إمكان التسليم » .

        وقال ابن قدامة في المغني: « وإن وصى بشيء معين، ثم خلطه بغيره [ ص: 509 ] على وجه لا يتميز منه كان رجوعا; لأنه يتعذر بذلك تسليمه، فيدل على رجوعه ، فإن خلطه بما يتميز منه، لم يكن رجوعا; لأنه يمكن تسليمه » .

        الأدلة:

        دليل القول الأول:

        1 - أن الأصل بقاء الوصية.

        2 - أن الخلط لا يعدم الموصى به، بل هو باق بعده، وإن كان مختلطا بغيره.

        ونوقش: بأن الموصى به بعد خلطه بما لا يمكن تمييزه في حكم المعدوم; لتعذر تسليمه إلى الموصى له.

        دليل القول الثاني:

        أن الموصي عندما خلط الموصى به بغيره بحيث لا يمكن تمييزه، أخرجه عن إمكان التسليم، فلا يمكن تسليمه إلى الموصى له، فكان دليلا على رجوعه في الوصية.

        ونوقش: بعدم التسليم، فالتسليم ممكن.

        الترجيح:

        الراجح - والله أعلم - هو القول الأول، وهو أن خلط الموصى به بغيره بحيث لا يعتبر رجوعا; لقوة دليله.

        الصورة الثالثة: خلط الموصى به غير المعين، كما لو أوصى بقنطار قمح من صبرة، ثم خلطها بغيرها.

        [ ص: 510 ] وقد اختلف فيه فقيل: ليس برجوع مطلقا، خلطها بمثلها، أو بخير منها ، أو دونها ; لأنه كان مشاعا وبقي مشاعا.

        وقيل: إن خلطه بخير منه كان رجوعا; لأنه لا يمكن تسليم الموصى به إلا بتسليم خير منه ، ولا يجب على الوارث تسليم ما هو خير منه فصار متعذر التسليم، فتبطل الوصية; لتعذر تسليمها، بخلاف ما لو خلطها بمثلها أو دونها فإنه لا يعد رجوعا; لإمكان تسليمه بتسليم مثله أو ما دونه.

        التالي السابق


        الخدمات العلمية