الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        المطلب الثاني

        أن يجعل الموصي الموصى به بعينه لشخص آخر، مع إلغاء الوصية الأولى

        مثل أن يقول: البيت الذي أوصيت به لزيد، فهو لبكر.

        وقد اتفق فقهاء الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة على أن ذلك يعتبر رجوعا عن الوصية الأولى، فتبطل الوصية للأول، وتكون للثاني.

        [ ص: 503 ] وعن الإمام مالك: أنه لا يعتبر رجوعا إلا ما كان صريحا في الرجوع.

        قال الكاساني في بدائع الصنائع: « ولو أوصى بشيء لإنسان، ثم أوصى به لآخر، فجملة الكلام فيه أنه إذا أعاد عند الوصية الثانية الوصية الأولى، والموصى له الثاني محل قابل للوصية، كان رجوعا...

        ولو قال: أوصيت بثلث مالي لفلان، أو بعبدي هذا لفلان، ثم قال: الذي أوصيت به لفلان، أو العبد الذي أوصيت به لفلان فهو لفلان، كان رجوعا عن الأولى، وإمضاء للثانية » .

        وقال الباجي في المنتقى بعد ذكر حكم الصورة الثانية: أن من أوصى بعبده ميمون لزيد، ثم أوصى به لعمرو، ولم يذكر رجوعا عن الوصية الأولى، أنه يكون بينهما بنصفين: « إذا ثبت ذلك فقد حكى ابن المواز أنه بينهما حتى يتبين أن القول الآخر رجوع عن الأول، مثل أن يقول: عبدي الذي أوصيت به لزيد هو لعمرو، فهذا رجوع، فإن لم يقبله الثاني فلا شيء فيه للأول » .

        وقال العمراني: « وإن وصى لرجل بشيء، ثم قال: ما أوصيت به لفلان فقد أوصيت به لفلان.... فهو رجوع عن وصيته الأولى; لأنه قد نقل الوصية من الأولى إلى الثانية ، وصرح بذلك، وحكى الشيخ أبو إسحاق وجها آخر، أنه يكون بينهما، والأول أصح » .

        قال ابن قدامة: « (وإن قال: ما أوصيت به لبشر فهو لبكر، كانت [ ص: 504 ] لبكر) ، هذا قولهم جميعا، وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وهو أيضا على مذهب الحسن، وعطاء، وطاوس، ولا نعلم فيه مخالفا » .

        الأدلة على ذلك:

        1 - أن الموصي صرح بالرجوع عن الأول بذكره أن ما أوصى به مردود إلى الثاني، فأشبه ما لو قال: رجعت عن وصيتي لزيد، وأوصيت بها لبكر.

        2 - أن كون الموصى له الثاني محلا للوصية، مع إعادة الوصية، لا يمكن حمل ذلك على الإشراك; لأنه لما أعاد الوصية علم أنه أراد نقل تلك الوصية من الأول إلى الثاني، ولا ينتقل إلا بالرجوع، فكان ذلك منه رجوعا.

        3 - أن تعريف المسند إليه والإتيان بضمير الفصل يفيدان القصر، والقصر يفيد إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه.

        فقوله: الدار التي أوصيت بها لعمرو هي لزيد، معناه: هي له وحده.

        التالي السابق


        الخدمات العلمية