الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        المسألة الثالثة: الوصية بمرتب مؤقت من رأس مال التركة:

        وتحتها أمور:

        الأمر الأول: أن تكون مدة الوصية محددة بالنص عليها من قبل الموصي، كالوصية بألف درهم شهريا لأخيه مدة عشرين شهرا، أو ثلاثين، فيرجع إلى اعتبار نص الموصي; لاعتبار شرط الموصي.

        الأمر الثاني: أن تكون مطلقة، فتحمل على مدى الحياة عند المالكية ، [ ص: 207 ] والحنفية ، وقد تكون محددة بمدى حياة الموصى له أو غيره، فتحدد مدة الحياة بمدة العمر.

        وقد اختلف الفقهاء فيها على أقوال:

        القول الأول: أنه سبعون سنة.

        وهو قول لمالك.

        (223 ) لما رواه الترمذي: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أعمار أمتي ما بين ستين إلى سبعين، وأقلهم من يجوز ذلك .

        ووجه الباجي القول بالسبعين بأنها نهاية العمر المعتاد غالبا، والزيادة عليها نادرة، والنادر لا حكم له.

        القول الثاني: أنه ثمانون.

        وهو قول لمالك; كما وجه التحديد بالثمانين: بأنه عمر قد يبلغه الإنسان [ ص: 208 ] مع الصحة والتصرف، والزيادة عليها شاذة، وصاحبها في حكم المريض: فكان التقدير بالثمانين أولى.

        القول الثالث: أنه مئة.

        وبه قال مالك.

        وأما التحديد بمئة فوجهه: بأن الأصل الحياة، فلا يقضى بالموت إلا باليقين، أو ما يقوم مقامه من العمر الذي لا يبلغه أحد في زمانه وهو المئة.

        القول الرابع: يعمر أعمار أهل زمانه.

        وهو ظاهر قول أبي يوسف من الحنفية ، وهو قول لمالك أيضا.

        ومنشأ الخلاف: كما قال القرافي قوله -صلى الله عليه وسلم-: أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين .

        والنظر إلى أقصى العوائد، فمن تمسك بلفظ الحديث حددها بسبعين ، ومن نظر إلى الواقع المعتاد حددها بما رآه أقصى مدة الحياة.

        والأقرب: القول الأول، والأخير; لدلالة الأدلة.

        الأمر الثالث: تحديد مقدار المرتب الموصى به.

        قد يكون محددا بالنقود، كألف درهم كل شهر، أو عشرة دراهم كل يوم، والأمر في هذا واضح، حيث يضرب المرتب المسمى في مدة الوصية المعلومة بالنص في الوصية المؤقتة بوقت معلوم، أو المعلومة بالحكم في المؤقتة بمدى الحياة، ليعرف المبلغ الموصى به بالتمام.

        واختلف إذا كانت الوصية بالنفقة في ذلك على أقوال:

        [ ص: 209 ] القول الأول: تدخل النفقة، والكسوة، والسكنى.

        وبه قال الباجي.

        القول الثاني: يدخل فيها القوت، والكسوة.

        وبه قال مالك.

        وحجة هذين القولين: أن هذا مما يدخل في مسمى النفقة.

        القول الثالث: لا تدخل فيها الكسوة.

        وبه قال بعض المالكية .

        وحجته: أن لفظ النفقة لا يتناولها عرفا، واللفظ محمول على عرف المخاطب.

        والأقرب الرجوع إلى العرف، وقرائن الأحوال إن دلت على شيء، وإلا لم يجب.

        وتخصص النفقة بنفقة الموصى له على نفسه، ولا يدخل في ذلك نفقته على أهله وعياله، وقوفا مع لفظ الموصي.

        الأمر الرابع: مقدار ما يوقف من التركة لتنفيذ الوصية.

        فإن هنا خلافا: القول الأول: أنه يوقف له مقدار المرتب ما لم يزد على الثلث.

        وهو قول المالكية .

        وحجته: لأنه القدر الموصى به، فلا يوقف أكثر من الثلث إذا كان [ ص: 210 ] مجموع المرتبات يفوق الثلث إلا برضى الورثة ، فإذا كانت الوصية بمئة درهم كل شهر، أو كانت بالنفقة جملة، وقدرت بمئة درهم في الشهر، وكان الباقي له من العمر عشر سنين على مقتضى التعمير وقف له اثنا عشر ألف درهم، ولو كانت التركة مئة ألف درهم على هذا القول.

        القول الثاني: أنه يوقف ثلث التركة إذا لم يجز الورثة ذلك، وإذا كانت هناك وصية أخرى، فإن الموصى له بمرتب يحاصص بالثلث.

        وهو مذهب الحنفية ، وبه قال الليث، ومعمر.

        قال السرخسي: « وكذا لو أوصى بأن ينفق عليه خمسة دراهم كل شهر من ماله ، فإنه يحبس جميع الثلث لينفق عليه منه كل شهر خمسة كما أوجبه الموصي » .

        وحجته: أنه يتوهم أن تطول حياته إلى أن ينفق عليه جميع الثلث أو يهلك بعض الثلث قبل أن ينفق، فيحتاج إلى ما بقي منه للإنفاق عليه ; فلهذا يحبس جميع الثلث.

        القول الثالث: يحبس مقدار ما ينفق عليه في مدة يتوهم أن يعيش إليها في العادة، فأما ما زاد على ذلك فلا يشتغل بحبسه.

        وبه قال أبو يوسف.

        وحجته: أن الظاهر أنه يموت قبل ذلك، وشرط استحقاقه بقاؤه حيا ، فإنما يثبت هذا الشرط بطريق الظاهر لما تعذر الوقوف على حقيقته.

        [ ص: 211 ] وعند الحنفية : في حالة الإجازة يقسم المال بين الموصى له بالثلث، والموصى له بالنفقة مدى الحياة على أربعة عند أبي يوسف ومحمد، للموصى له بالثلث: الربع والباقي للموصى له بالنفقة يوقف له.

        وقال أبو حنيفة: يقسم على ستة للموصى له بالثلث السدس، والباقي للموصى له بالنفقة يوقف له.

        وفي حالة رد الورثة الزائد على الثلث، فإن الثلث يقسم بينهما نصفين عند أبي حنيفة.

        وقال أبو يوسف ومحمد: يقسم أرباعا: للموصى له بالثلث: الربع، والباقي يوقف لصاحب النفقة.

        الترجيح:

        الراجح - والله أعلم - القول الأول; لما فيه من مراعاة حق الموصى له والورثة.

        التالي السابق


        الخدمات العلمية