الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        المسألة الثانية: أن تكون الوصية بالمنفعة مقيدة بزمن، أو مؤبدة:

        إذا كانت الوصية بالمنفعة، مقيدة بزمن معين، أو مؤبدة، فمات الموصى له قبل نهاية المدة، فللعلماء في ذلك قولان:

        القول الأول: أن المنفعة الموصى بها، تورث عن الموصى له فيما بقي من المدة.

        وهو قول المالكية ، والصحيح عند الشافعية ، ومذهب الحنابلة .

        [ ص: 99 ] القول الثاني: أن المنفعة الموصى بها لا تورث فيما بقي من المدة ، وتعود العين إلى ورثة الموصي.

        وبه قال الحنفية ، وحكي وجها عند الشافعية .

        الأدلة:

        أدلة القول الأول:

        1 - أن المنفعة الموصى بها حق مالي، ومن مات عن حق مالي فلورثته.

        2 - أن الموصى له يملك المنفعة الموصى بها، فتورث عنه كسائر أملاكه.

        أدلة القول الثاني:

        1 - أن الحق للموصى له بالمنفعة لا يحتمل التوريث; لأنها لا تبقى وقتين، فلا يتصور أن تكون مملوكة للمورث، ثم للوارث فتبطل الوصية بموته.

        ونوقش هذا الاستدلال: بأن المنافع مقدرة الوجود، فتأخذ حكم العين; لأنها جعلت موردا للعقد، والعقد لا يرد إلا على موجود، والدليل على ذلك صحة الاستئجار بأجرة مؤجلة، وما ليس بعين فهو دين، والدين بالدين حرام.

        [ ص: 100 ] 2 - أن الوصية تمليك للمنفعة بغير عوض كالإعارة، فتبطل بموت الموصى له; كما تبطل العارية بموت المستعير.

        ونوقش: بأن هذا قياس مع الفارق; إذ المستعير ليس مالكا، بل مباح له الانتفاع، بخلاف الموصى له فهو مالك.

        3 - أن المنفعة بانفرادها لا تحتمل الإرث، وإن كان تملكها بعوض، كالإجارة فلأن لا تحتمل الإرث فيما هو تمليك بغير عوض أولى.

        ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم، بل المنفعة في الإجارة تورث; إذ هي مال من الأموال.

        4 - أن الموصي أوجب الحق للموصى له، ليستوفي المنافع على حكم ملكه، فلو انتقل إلى وارث الموصى له استحقها ابتداء من ملك الموصي من غير مرضاته، وذلك لا يجوز.

        ويناقش هذا الاستدلال: بأن ملك الموصي قد زال بموته، وانتقل الملك إلى الوارث، وملك الموصى له المنفعة بالقبول فتورث عنه; كمنفعة العين المستأجرة إذا مات المستأجر، ثم إن قصد الموصي بالوصية الأجر والثواب، وذلك لا يحصل إلا بالانتفاع بما أوصى به مدة الانتفاع.

        الترجيح:

        الراجح - والله أعلم - القول الأول; لقوة أدلته، وضعف أدلة القول الثاني، وما ورد عليها من المناقشة.

        التالي السابق


        الخدمات العلمية