الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        المسألة الخامسة: أن تكون الوصايا كلها تبرعات:

        كحج التطوع، وصدقة التطوع، وغيرهما، فإنها تعتبر من الثلث باتفاق [ ص: 362 ] الأئمة، إذا لم يضق الثلث عنها، فإن ضاق الثلث عنها، وزادت عليه، فإن أجازها الورثة نفذت بالاتفاق.

        وإن لم يجزها الورثة فتنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن ينص الموصي على تقديم بعض التبرعات على بعض.

        فإن نص على تقديم بعض الوصايا فيقدم ما نص عليه اتباعا لنصه، وهذا باتفاق الأئمة.

        القسم الثاني: أن لا ينص الموصي على تقديم بعض التبرعات على بعض.

        فإن ضاقت عن الثلث، ولم يجز الورثة ما زاد عنه، فقد اختلف العلماء على ثلاثة أقوال:

        القول الأول: المحاصة بين الوصايا في الثلث، وأنه لا يقدم بعضها على بعض.

        وهو قول المالكية ، والشافعية ، والحنابلة .

        [ ص: 363 ] القول الثاني: البدء بما بدأ به الموصي في النطق حتى ينقضي الثلث، ويكون النقص على المتأخر.

        وهو المعتمد عند الحنفية .

        القول الثالث: تقديم الأفضل فالأفضل من الوصايا.

        وهو قول عند الحنفية .

        الأدلة:

        أدلة القول الأول:

        أدلة القول بالمحاصة بين الوصايا في الثلث، وأنه لا يقدم بعضها على بعض ما يأتي:

        الدليل الأول: أن هذه الوصايا متحدة الرتبة - وهي التبرع - فتقديم بعضها على بعض ترجيح بلا مرجح.

        الدليل الثاني: القياس على قسمة التركة بين أرباب الديون بالمحاصة إذا ضاقت عن الوفاء.

        دليل القول الثاني: دليل القول بالبدء بما بدأ به الموصي في النطق:

        أنه هذه الوصايا عند تساويها لا يمكن الترجيح بالذات، فيرجح بالبداية ; لأن البداية دليل اهتمامه بما بدأ به; لأن الإنسان يبدأ بالأهم فالأهم عادة.

        [ ص: 364 ] ونوقش: بأن قولكم: لا يمكن الترجيح بالذات مسلم.

        وأما القول: بأنه يرجح بالبداية، فغير مسلم; إذ لو أراد الموصي تقديم ما بدأ به في النطق لبينه، فلما أطلق الوصية دل على أنه إنما أراد التسوية بين هذه الوصايا، وطريق ذلك المحاصة.

        دليل القول الثالث: دليل القول بتقديم الأفضل فالأفضل من الوصايا: أن بعض هذه الوصايا أفضل من بعض، فتكون أولى بالتقديم.

        ونوقش: بأنه لا يسلم أن الأفضل أولى بالتقديم; إذ لو أراد الموصي لبينه ، فدل على أنه أراد التسوية بين هذه الوصايا - كما سبق - فتقديم الأفضل ترجيح بلا مرجح.

        الترجيح:

        الراجح - والله أعلم - القول الأول; لقوة الأدلة التي استدلوا بها وسلامتها من الاعتراض مع ضعف أدلة المخالفين; لما ورد عليها من مناقشة، وأن هذا القول أقرب إلى تحقيق غرض الموصي الذي لو قصد تقديما أو تفضيلا لبينه.

        التالي السابق


        الخدمات العلمية