الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        [ ص: 23 ] المبحث الرابع وقت ملك الموصى به

        القول الأول: أن الوصية لا تدخل في ملك الموصى له إلا بالقبول.

        وهو قول الحنفية ، وأحد أقوال المالكية ، والشافعية ، ومذهب الحنابلة .

        القول الثاني: ملك الموصى به للموصى له بمجرد وفاة الموصي.

        وهو قول المالكية ، وقول للشافعية.

        القول الثالث: أن الملك بعد موت الموصي موقوف، غير محكوم به لأحد، فإن قبل الموصى له بان أنه ملكه بالموت، وإن رد بان أنه ملك للوارث من حين الموت.

        وهو أظهر الأقوال عند الشافعية .

        الأدلة:

        أدلة القول الأول:

        1 - قوله تعالى: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى .

        [ ص: 24 ] ظاهره: أن الإنسان لا يملك شيئا بغير سعيه، فلو ثبت الملك للموصى له بدون قبول لثبت له بدون سببه ، وهو منفي بنص الآية وعمومها.

        2 - أن دخوله في ملكه بغير قبوله يؤدي إلى الإضرار به من جهتين: لحوق المنة له، ولزوم الإنفاق على الموصى به الذي لا نفع فيه، كالعبد المقعد والزمن.

        3 - أن الوصية تمليك مال لمن هو من أهل الملك متعين، فاعتبر قبوله كالهبة والبيع بجامع أن كلا يفتقر إلى القبول، فلا يتقدم عليه.

        قال الإمام أحمد: الهبة والوصية واحد.

        4 - أن القبول من تمام السبب، والحكم لا يتقدم سببه، فكلام الموصي إيجاب مضاف إلى الموت، وهو مع قبول الموصى له سبب الملك للموصى له، فلا يتقدم الملك بعض سببه وهو القبول.

        ونوقش: بأن الملك بعد القبول ثبت وقت الموت; لأن كلام الموصي السابق بالوصية، سبب لثبوت الملك في الأصل وقت الموت، لكونه مضافا إلى وقت الموت، فصار سببا عند الموت، فإذا حصل القبول ثبت الملك فيه من ذلك الوقت لوجود السبب في ذلك الوقت - أي: وقت الموت - كالجارية المبيعة بشرط الخيار للمشتري، إذا ولدت في مدة الخيار، ثم أجاز المشتري البيع، فإنه يملك الولد كذا هنا.

        [ ص: 25 ] أن القبول لا يخلو من أن يكون شرطا أو جزءا من السبب، والحكم لا يتقدم سببه ولا شرطه.

        وهذا قريب مما قبله مع أنه لم يحكم بالملك من الموت إلا بعد وجود القبول، فكأنه حصل بأثر رجعي.

        6 - أن الملك في الماضي - أي: عموم الملك - لا يجوز تعليقه بشرط مستقبل.

        ونوقش: بأن هذا منقوض; لأن الرجل لو قال لامرأته: أنت طالق قبل موتي بشهر، ثم مات تبينا وقوع الطلاق قبل موته بشهر.

        وأجيب: بأن هذا ليس شرطا في وقوع الطلاق، وإنما تبين به الوقت الذي يقع فيه الطلاق، ولذلك إذا قال: إذا مت فأنت طالق قبله بشهر; لم يصح.

        أدلة القول الثاني:

        ا - القياس على الإرث، فإنه يدخل في ملك الوارث بالموت، فكذلك الوصية، بجامع أن كلا منهما ملك مرتب على الموت.

        ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياس مع وجود الفارق فلا يصح، فإن الوصية ترد بالرد، والإرث لا يرد بالرد، والميراث قهري، وإلزام ممن له ولاية الإلزام، وهو الله تعالى بخلاف الوصية.

        2 - القياس على الوصية للفقراء، فإنها تدخل في ملكهم بمجرد الموت.

        ونوقش هذا الاستدلال: بأنه لا يصح أيضا لوجود الفرق; لأن غير [ ص: 26 ] المعين يتعذر منه القبول، بخلاف المعين، فإذا سقط القبول في غير المعين لعذر، فلا يسقط في المعين لعدم العذر، وقبول المحل لصدور القبول منه.

        3 - أنه لا يصح بقاء الوصية على ملك الموصي لموته، والميت لا يملك، كما لا يصح انتقالها للوارث; لقوله تعالى: من بعد وصية يوصي بها أو دين ، فالإرث بعد الوصية، وإذا لم يصح بقاؤها على ملك الموصي، أو الورثة تعين كون الملك للموصى له بالموت.

        ونوقش هذا الاستدلال: بأنه لا يصح بقاؤها ملكا للميت، ولا انتقالها للوارث فيتعين كونها ملكا للموصى له، وهو تقسيم غير حاصر، واستقراء غير تام، ولا يتم به الاحتجاج; لأن هناك احتمالا آخر، وهو وقفه حتى يرد أو يقبل.

        وقوله تعالى: من بعد وصية يوصى بها فمعناه من بعد وصية مقبولة.

        وأما الدين، فإنه غير معين في مال الميت بخلاف الوصية، فإنها معينة أو مقدرة منه فافترقا.

        4 - أنه قصد في وصيته تمليك الموصى له بعد موته، فإنك لو سألت أي واحد من الموصين لقال: إنه يريد أن تسلم الوصية للموصى له بمجرد موته.

        5 - أن ما وجب انتقاله من جهة الموجب وجب عند الإيجاب، كالهبة والبيع.

        ونوقش: بأن انتقال الملك من جهة الموجب في سائر العقود لا ينتقل إلا بعد القبول، كما في هذه المسألة أيضا، غير أن ما بين الإيجاب والقبول ثم يسير لا يظهر له أثر بخلافه في هذه المسألة.

        [ ص: 27 ] وأجيب: بأن ما بين الإيجاب والقبول في سائر العقود ليس يسيرا دائما بل غالبا، فإن من صور العقود ما يكون ما بين الإيجاب والقبول طويل كالعقد بالمراسلة مثلا.

        6 - أن الإرث بعد الوصية كما سبق، فلا يملك الوارث الموصى به في هذه الفترة ولا يبقى الملك للميت; لأنه صار غير قابل لأن يملك شيئا، فلم يبق إلا أن تكون للموصى له.

        ونوقش: بأنه على التسليم تنزلا بأنه لا يكون للوارث، فإنه يبقى ملكا للميت، أو يبقى على حكم ملكه، وقولهم: لا يبقى له ملك ممنوع، فإنه يبقى له ملكه فيما يحتاج إليه من مئونة التجهيز والدفن وقضاء ديونه، ويجوز أن يتجدد له ملك في ديونه إذا قبل، وفيما إذا نصب شبكة فوقع فيها صيد بعد موته بحيث تقضى ديونه، وتنفذ وصاياه، ويجهز إن كان قبل تجهيزه، فهذا - أي: الموصى به - يبقى على ملكه ; لتعذر انتقاله إلى الوارث من أجل الوصية، وامتناع انتقاله إلى الوصي قبل تمام السبب، فإن رد الموصى له أو قبل انتقل حينئذ.

        وأجيب: بأنه لا يجوز أن يقال: إن الموصى به باق على ملك الميت; لأن ملكه قد زال إلى الموصى له بالوصية والوفاة، ولا يجوز أن يقال على حكم ملكه; لأن ذلك فيما يخصه كالكفن، فأما ما لا حق له فيه فلا يجب، فلم يبق إلا أن يكون للموصى له.

        [ ص: 28 ] دليل القول الثالث: أنه لا يصح بقاؤه على ملك الميت; لموته ولانتقاله للوارث; لقوله تعالى: من بعد وصية يوصى بها ، كما لا يصح جعله للموصى له لعدم قبوله، وهو شرط أو ركن يلزم من عدمهما العدم فتعين وقفه، وعدم الحكم به لأحد حتى يتبين الأمر بالقبول أو الرد. الراجح - والله أعلم - هو القول الأول; لقوة دليله، وإلحاقا للوصية بسائر التبرعات.

        التالي السابق


        الخدمات العلمية