الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
2887 - "ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا؛ جائعة عارية يوم القيامة ؛ ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا؛ طاعمة ناعمة يوم القيامة؛ ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين؛ ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم؛ ألا يا رب متخوض ومتنعم فيما أفاء الله على رسوله؛ ما له عند الله من خلاق؛ ألا وإن عمل الجنة حزن بربوة؛ ألا وإن عمل النار سهل بسهوة؛ ألا يا رب شهوة ساعة؛ أورثت حزنا طويلا"؛ ابن سعد ؛ (هب)؛ عن أبي البجير ؛ (ح) .

التالي السابق


(ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا ) ؛ أي: مشغولة بلذات المطاعم والملابس؛ غافلة عن أعمال الآخرة؛ (جائعة عارية) ؛ بالرفع؛ خبر المبتدإ؛ أي: "هي..."؛ لأنه إخبار عن حالها؛ (يوم القيامة) ؛ أي: تحشر جائعة عارية يوم الموقف الأعظم؛ (ألا [ ص: 117 ] يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا؛ طاعمة) ؛ من طعام دار الرضا؛ (ناعمة يوم القيامة) ؛ بطاعتها مولاها؛ وعدم رضاها بما رضي به الكفار في الدنيا؛ قال (تعالى): ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ؛ (ألا يا رب مكرم لنفسه) ؛ بمتابعة هواها؛ وتبليغها مناها؛ بتبسطه بألوان طعام الدنيا؛ وشرابها؛ وتزينه بملابسها؛ ومراكبها؛ وتقلبه في مبانيها وزخاريفها؛ (وهو لها مهين) ؛ فإن ذلك يبعده عن الله؛ ويوجب حرمانه من منال حظ المتقين في الآخرة؛ (ألا يا رب مهين لنفسه) ؛ بمخالفتها؛ وإذلالها؛ وإلزامها بعدم التطاول؛ والاقتصار على الأخذ من الدنيا بأطراف الأصابع؛ بقدر الحاجة ؛ (وهو لها مكرم) ؛ يوم العرض الأكبر؛ لسعيه لها فيما يوصلها إلى السعادة الدائمة الأبدية؛ والراحة المتصلة السرمدية؛ ولله در القائل - وهو أبو إسحاق الشيرازي :


صبرت على بعض الأذى خوف كله ... ودافعت عن نفسي بنفسي فعزت وجرعتها المكروه حتى تجرعت
ولو جملة جرعتها لاشمأزت فيا رب عز ساق للنفس ذلة
ويا رب نفس بالتذلل عزت وما العز إلا خيفة الله وحده
... ومن خاف منه خافه ما أقلت

(ألا يا رب متخوض ومتنعم فيما أفاء الله على رسوله؛ ما له عند الله من خلاق) ؛ أي: نصيب في الآخرة؛ لاستيفائه حظ نفسه في الدنيا؛ فعلى المتصرف في الأموال العامة إذا أراد سلوك مناهج السلامة ؛ الاقتصار على الكفاف؛ وقبض اليد عن التبسط في الاختصاص بالمال العام؛ وقد فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعتاب ؛ حين ولاه مكة عام الفتح؛ درهما شرعيا كل يوم؛ وقد فرض عمر لنفسه ولأهله لما ولي الخلافة؛ وكذا فعل ابن عبد العزيز ؛ (ألا وإن عمل الجنة ) ؛ أي: العمل الذي يقرب منها؛ ويوصل إليها؛ (حزن) ؛ ضد السهل؛ (بربوة) ؛ بضم الراء؛ وتفتح: مكان مرتفع؛ سمي "ربوة"؛ لأنها ربت؛ فعلت؛ (ألا وإن عمل النار ) ؛ أي: العمل الذي يقرب منها؛ ويوصل إليها؛ (سهل بسهوة) ؛ بسين مهملة: أرض لينة التربة؛ شبه المعصية في سهولتها على مرتكبها؛ بأرض سهلة؛ لا حزونة فيها؛ وإيضاح ذلك أن طريق الجنة - وإن كانت مشقة على النفس؛ لاشتمالها على مخالفة هواها بتجنب ما تهواه؛ وفعل ما يشق عليها - فلا يتوصل إليها إلا بارتكاب ما يشق على النفس؛ وترك ما تشتهيه من لذاتها؛ لكن ليس في ذلك خطر الهلاك؛ إذ لا خطر في قهر النفس وترك شهواتها؛ (ألا يا رب شهوة ساعة) ؛ واحدة؛ كشهوة نظر إلى مستحسن محرم؛ يفضي به إلى مواقعة كبيرة؛ أو كلمة باطلة يمنع بها حقا؛ أو يحق بها باطلا؛ كأن يقتطع بها مال مسلم؛ أو يسفك دمه؛ أو يهتك عرضه؛ (أورثت حزنا طويلا) ؛ في الدنيا؛ والآخرة؛ فالعاقل الحازم لنفسه؛ المحتاط لها؛ يأخذ لنفسه من الدنيا بقصد الحاجة؛ لا بقصد اللذة؛ ويأخذ لأهله ولغيره بالحاجة؛ واللذة؛ لا بالتطاول؛ وفي الحديث أعظم زجر عن متابعة الشهوات؛ وأبلغ حث على حفظ اللسان والجنان ؛ وهو من جوامع الكلم.

( ابن سعد ) ؛ في الطبقات؛ (هب؛ عن أبي البجير ) ؛ بالجيم؛ صحابي؛ قال الذهبي : له حديث؛ وخرجه عنه الديلمي ؛ في مسند الفردوس أيضا؛ وعزاه المنذري إلى تخريج ابن أبي الدنيا ؛ ثم ضعفه.




الخدمات العلمية