الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
3399 - "التدبير نصف العيش؛ والتودد نصف العقل ؛ والهم نصف الهرم؛ وقلة العيال أحد اليسارين"؛ القضاعي ؛ عن علي ؛ (فر)؛ عن أنس ؛ (ح) .

التالي السابق


( التدبير) ؛ أي: النظر في عواقب الإنفاق؛ إذ "التدبير"- كما قاله المحقق الدواني -: إعمال الروية في أدبار الأمور؛ وعواقبها؛ لتتقن الأفعال ؛ وتصدر على أكمل الأحوال؛ (نصف المعيشة) ؛ إذ به يحترز عن الإسراف؛ والتقتير؛ وكمال العيش شيئان: مدة الأجل؛ وحسن الحال فيها؛ وهذا لا يعارض قول الصوفية: أرح نفسك من التدبير؛ فما قام به غيرك عنك؛ لا تقم به لنفسك؛ ما ذاك إلا لأن الكلام هنا في تدبير صحبه تفويض؛ وكلامهم فيما لا يصحبه؛ (والتودد) ؛ أي: التحبب إلى الناس؛ (نصف العقل ) ؛ لأن العقل صنفان: مطبوع؛ ومسموع؛ والمسموع صنفان: معاملة مع الله؛ ومعاملة مع الخلق؛ كما قال بعضهم: العقل: العبودية لله؛ وحسن المعاملة مع خلقه؛ وإقامة العبودية: الرضا والوفاء؛ حتى يكون الحكم في القضاء؛ والوفاء في الأمر بالأداء؛ وحسن المعاملة: كف الأذى؛ وبذل الندى؛ فمن كف أذاه؛ وبذل نداه؛ وده الناس؛ ومن فعل هذا؛ فقد جاز نصف العقل؛ وإن أقام العبودية لله؛ استكمل العقل كله؛ ( والهم نصف الهرم ) ؛ الذي هو ضعف؛ ليس وراءه قوة؛ ومن لم يصل إلى الهرم؛ وزال الهم؛ عادت القوة؛ فالهم إذن نصف الضعف؛ ( وقلة العيال أحد اليسارين ) ؛ "اليسار": خفض العيش؛ و"اليسر": زيادة الدخل على الخرج؛ أو وفاء الدخل بالخرج؛ فمن كثر عياله ودخله؛ فضل له من خرجه؛ أو وفى دخله بخرجه؛ ومن قل دخله وعياله؛ ووفى دخله بخرجه؛ أو فضل من دخله؛ ففي كل من الحالين يكون في يسر؛ ومن قل دخله وكثر عياله؛ فهو في عسر؛ كذا قرره بعضهم في شرح الحديث؛ وقال البغدادي في شرح الشهاب: "التدبير": الإنفاق قصدا؛ بغير إسراف؛ ولا إقتار؛ إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ؛ والعقل؛ ليستعان ببصيرته على جلب المنافع؛ ودفع المضار؛ فإذا تودد إلى الناس بما لا يثلم دينه؛ كفوه بودهم من المؤن مثل ما يكفيه العقل؛ فقام تودده مقام نصف العقل؛ وجعل الهم نصف الهرم؛ لأنه إذا توالى على القلب؛ يضني؛ ويبلي؛ ويؤثر في نقصان بنية الإنسان؛ ويوهن الظاهر؛ والخيال؛ مثل تأثير الهرم بطول الزمان؛ فحذر المصطفى - صلى الله عليه وسلم - من الاسترسال مع كثرة الهموم في الدنيا؛ والمسامرة لهموم القلب؛ ما يقدر؛ يكن؛ وما ترزق يأتك؛ وقد قال: "تفرغوا من هموم الدنيا؛ فما أقبل عبد على الله بكل قلبه؛ إلا جعل قلوب [ ص: 281 ] المؤمنين تفد إليه بالود؛ والرحمة؛ والله بكل خير أوسع ؛ وجعل خفة العيال أحد اليسارين؛ لأن الغنى نوعان: غنى بالشيء؛ والمال؛ وغنى عن الشيء؛ لعدم الحاجة إليه؛ وهذا هو الحقيقي؛ فقلة العيال لا حاجة معها إلى كثرة المؤن؛ قالوا: وهذا الحديث من جوامع الكلم.

( القضاعي ) ؛ في مسند الشهاب؛ (عن علي ) ؛ أمير المؤمنين - رضي الله (تعالى) عنه - قال العامري ؛ في شرح الشهاب: غريب حسن؛ وأقول: وفيه إسحاق بن إبراهيم الشامي ؛ أورده الذهبي في الضعفاء؛ وقال: له مناكير؛ وابن لهيعة ؛ وقد مر غير مرة؛ (فر) ؛ كلاهما؛ (عن أنس ) ؛ قال العراقي : فيه خلاد بن عيسى ؛ جهله العقيلي ؛ ووثقه ابن معين .




الخدمات العلمية