الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
3257 - "تحفة المؤمن الموت" ؛ (حل طب ك هب)؛ عن ابن عمرو ؛ (ح) .

التالي السابق


(تحفة المؤمن) ؛ زاد الديلمي في روايته: "في الدنيا"؛ و"التحفة": ما يتحف به المؤمن؛ من العطية؛ مبالغة في بره؛ وإلطافه؛ (الموت) ؛ لأن الدنيا محنته وسجنه وبلاؤه؛ إذ لا يزال فيها في عناء؛ من مقاساة نفسه؛ ورياضة شهواته؛ ومدافعة شيطانه؛ والموت إطلاق له من هذا العذاب؛ وسبب لحياته الأبدية؛ وسعادته السرمدية؛ ونيله للدرجات العلية؛ فهو تحفة في حقه؛ وهو وإن كان فناء واضمحلالا ظاهرا؛ لكنه بالحقيقة ولادة ثانية؛ ونقلة من دار الفناء؛ إلى دار البقاء؛ ولو لم يكن الموت؛ لم تكن الجنة؛ ولهذا من الله علينا بالموت ؛ فقال: خلق الموت والحياة ؛ قدم الموت على الحياة؛ تنبيها منه على أنه يتوصل منه إلى الحياة الحقيقية؛ وعده علينا من الآلاء؛ في قوله: كل من عليها فان ؛ ونبه بقوله: ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ؛ على أن هذه التغيرات لخلق أحسن؛ فنقض هذه البنية؛ لإعادتها على وجه أشرف؛ قال أبو داود : ما من مؤمن إلا والموت خير له؛ فمن لم يصدق؛ فإن الله يقول: وما عند الله خير للأبرار ؛ وقال حبان بن الأسود : والموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب؛ والمؤمن كريم على ربه؛ فإذا قدم عليه؛ أتحفه؛ ولقاه روحا وريحانا؛ وأمر له في قبره بكسوة ورياحين؛ وبرد مضجعه؛ وآنسه بملائكة كرام؛ إلى أن يلقاه؛ وقال الإمام الرازي : الموت سبب لخلاص الروح عن رحمة البدن؛ والاتصال بحضرة الله ورحمته؛ فكيف يعد من المكاره؟! ومن ثم تمناه كثير؛ وتمنى آخرون طول البقاء؛ لإقامة الدين؛ وإكثار العمل الصالح الرافع للدرجات؛ المذهب للخطيئات؛ وفرقة ثالثة لم تختر شيئا؛ بل اختارت ما اختار الحق لها؛ ومنهم الصديق ؛ قيل له في مرضه: ألا ندعو لك طبيبا؟ قال: "قد رآني"؛ قال: فما قال؟ قال: "قال: أنا الفعال لما أريد" .

(تنبيه) :

قال العارف ابن عربي : العارف أخرس؛ منقطع؛ منقمع؛ خائف؛ متبرم [ ص: 234 ] بالبقاء في هذا الهيكل؛ وإن كان منورا؛ لما عرفه الشارع أن الموت لقاء الله؛ وأنه تحفة له؛ فنغصت عليه الحياة الدنيا؛ شوقا إلى ذلك اللقاء؛ فهو صافي العيش؛ رطيب الحياة؛ في نفس الأمر؛ لا في نفسه؛ قد ذهب عنه كل مخوف؛ وهابه كل ناظر؛ إذا رئي ذكر الله؛ وأنس بالله بلا فصل؛ ولا وصل.

(تتمة) :

ذهب بعض الصوفية إلى أن المراد بالموت في هذا الخبر ونحوه: فناء اختيار العبد في مراد الله؛ قال: فلا يعارض ذلك الأحاديث المصرحة بأن حياة المؤمن أحسن من موته؛ ومما جمع به أيضا أن الموت في حق من لم يصبر على الزمان؛ وسخط الأقدار؛ والحياة في الصابر على الأقدار؛ المسلم لها.

(طب حل ك) ؛ في الرقاق؛ (هب؛ عن ابن عمرو ) ؛ ابن العاص ؛ قال أبو نعيم : غريب من حديثه؛ لم يروه عنه غير أبي عبد الرحمن الجيلي ؛ قال المنذري - بعد عزوه للطبراني -: إسناده جيد؛ ورواه عنه القضاعي في الشهاب؛ وقال شارحه: حسن غريب؛ وقال الحاكم : صحيح؛ ووهاه الذهبي بأن فيه عبد الرحمن بن زياد الأفريقي ؛ ضعيف؛ أهـ؛ لكن قال الهيثمي : رجال الطبراني ثقات؛ وأفاد الحافظ العراقي أنه ورد من طريق جيد؛ فقال: رواه محمد بن خفيف الشيرازي ؛ في شرف الفقراء؛ والديلمي في مسند الفردوس؛ من حديث معاذ ؛ بسند لا بأس به؛ ورواه الديلمي من حديث ابن عمر ؛ بسند ضعيف جدا؛ أهـ؛ وبه يعرف أن المصنف قصر حيث اقتصر على عزوه للطرق التي لا تخلو عن مقال؛ وإهمال الطريق السالمة عن الإشكال.




الخدمات العلمية