الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
2787 - "أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله؛ وأوصيه بجماعة المسلمين؛ أن يعظم كبيرهم؛ ويرحم صغيرهم؛ ويوقر عالمهم؛ وألا يضربهم فيذلهم؛ ولا يوحشهم فيكفرهم؛ وألا يغلق بابه دونهم؛ فيأكل قويهم ضعيفهم"؛ (هق)؛ عن أبي أمامة ؛ (صح) .

التالي السابق


(أوصي الخليفة من بعدي) ؛ قال الحرالي : قيد به لأن الخليفة كثيرا ما يخلف الغائب بسوء؛ وإن كان مصلحا في حضوره؛ (بتقوى الله) ؛ أي: بمخافته؛ والحذر من مخالفته؛ (وأوصيه) ؛ ثانيا؛ (بجماعة المسلمين؛ أن يعظم كبيرهم) ؛ قدرا؛ أو سنا؛ (ويرحم صغيرهم) ؛ أي: كذلك؛ (ويوقر) ؛ أي: يعظم؛ (عالمهم) ؛ بشيء من العلوم الشرعية؛ (وألا يضربهم فيذلهم) ؛ أي: يهينهم؛ ويحقرهم؛ (ولا يوحشهم) ؛ أي: يبعدهم؛ ويقطع مودتهم؛ ويعاملهم بالجفاء؛ وعدم الوفاء؛ (فيكفرهم) ؛ أي: يلجئهم إلى تغطية محاسنه؛ ونشر مساوئه؛ وعيوبه؛ ويجحدون نعمته؛ ويتبرؤون منه؛ فيؤدي إلى تفرق الكلمة؛ وتحرك الفتنة؛ قال الفارابي : "الوحشة"؛ بين الناس: الانقطاع؛ وبعد القلوب عن المودات؛ و"كفر النعمة": جحدها وتغطيتها ؛ (وألا يغلق بابه دونهم) ؛ يعني: يمنعهم عن الوصول إليه؛ وعرض الظلامات عليه؛ (فيأكل قويهم ضعيفهم) ؛ أو يستولي على حقه ظلما؛ قال الزمخشري : من المجاز: "فلان أكل غنمي؛ وشربها"؛ و"أكل مالي؛ وشربه"؛ ثم الذي رأيته في نسخ البيهقي ؛ عقب قوله: "فيكفرهم": "وألا يخصيهم؛ فيقطع نسلهم"؛ وليس قوله: "وألا يغلق..."؛ إلخ؛ ثابتا في النسخ التي وقفت عليها؛ فليحرر؛ قال ابن العربي : قد جعل الله الخلافة مصلحة للخلق؛ ونيابة عن الحق؛ وضابطا للقانون ؛ وكافا عن الاسترسال بحكم الهوى؛ وتسكينا لثائرة الدماء؛ وثائرة الغوغاء؛ أولهم آدم ؛ وآخرهم عيسى ؛ والكل خليفة؛ لكن من أطاع الله؛ فهو خليفة له؛ ومن أطاع الشيطان؛ فهو خليفة للشيطان.

(تنبيه) :

ذهب الصوفية إلى أن الخليفة على الحقيقة بعده: القطب؛ قال العارف ابن عربي : حضرت الخلافة التي هي محل الإرث والأنبياء؛ انتشرت راياتها؛ ولاحت أعلامها؛ وأذعن الكل لسلطانها؛ ثم خفيت بعد الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -؛ فلا تظهر أبدا إلى يوم القيامة عموما؛ لكن قد تظهر خصوصا؛ فالقطب [ ص: 74 ] معلوم؛ غير معين؛ وهو خليفة الزمان؛ ومحل النظر والتجلي؛ ومنه تصدر الآثار على ظاهر العالم؛ وباطنه؛ وبه يرحم؛ ويعذب؛ وله صفات إذا اجتمعت في خليفة عصر؛ فهو القطب؛ وإلا فهو غيره؛ ومنه يكون الإمداد لملك ذلك العصر.

(هق؛ عن أبي أمامة ) ؛ قال الذهبي في المذهب: وهذا لم يخرجوه.




الخدمات العلمية