الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
3856 - "الحلال بين؛ والحرام بين؛ وبينهما أمور مشتبهات ؛ لا يعلمها كثير من الناس؛ فمن اتقى المشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه؛ ومن وقع في المشبهات؛ وقع في الحرام؛ كراع يرعى حول الحمى؛ يوشك أن يواقعه؛ ألا وإن لكل ملك حمى؛ ألا وإن حمى الله (تعالى) في أرضه محارمه؛ ألا وإن في الجسد مضغة؛ إذا صلحت؛ صلح الجسد كله؛ وإذا فسدت؛ فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب"؛ (ق 4)؛ عن النعمان بن بشير ؛ (صح) .

التالي السابق


( الحلال) ؛ ضد "الحرام"؛ لغة؛ وشرعا؛ (بين ) ؛ أي: ظاهر واضح لا يخفى حله؛ وهو ما نص الله أو رسوله - وأجمع المسلمون - على تحليله بعينه؛ أو جنسه؛ ومنه ما لم يرد فيه منع في أظهر الأقوال؛ ( والحرام بين ) ؛ واضح؛ لا يخفى حرمته؛ وهو ما نص - أو أجمع - على تحريمه بعينه؛ أو جنسه؛ أو على أن فيه عقوبة أو وعيدا؛ ثم التحريم إما لمفسدة؛ أو مضرة خفية؛ كالزنا؛ ومذكى المجوس؛ وإما لمفسدة أو مضرة واضحة؛ كالسم؛ والخمر؛ وتفصيله لا يحتمله المقام؛ (وبينهما) ؛ أي: الحلال؛ والحرام؛ الواضحين؛ (أمور) ؛ أي: شؤون؛ وأحوال؛ (مشتبهات) ؛ بغيرها؛ لكونها غير واضحة الحل؛ والحرمة؛ لتجاذب الأدلة؛ وتنازع المعاني والأسباب؛ فبعضها يعضده دليل التحريم؛ والبعض بالعكس؛ ولا مرجح لأحدهما إلا خفاء؛ ومن المشتبه معاملة من في ماله حرام؛ فالورع تركه؛ وإن حل ؛ وقال الغزالي : إن كان أكثر ماله الحرام؛ حرمت؛ ثم الحصر في الثلاثة صحيح؛ لأنه إن صح نص أو إجماع على الفعل؛ فالحلال؛ أو على المنع جزما فالحرام؛ أو سكت؛ أو تعارض فيه نصان؛ ولا مرجح؛ فالمشتبه؛ (لا يعلمها كثير من الناس) ؛ أي: من حيث الحل؛ والحرمة؛ لخفاء نص؛ أو عدم صراحة؛ أو تعارض نصين؛ وإنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس أو استصحاب أو لاحتمال الأمر فيه الوجوب والندب والنهي والكراهة والحرمة؛ أو لغير ذلك؛ إنما يعلمه قليل من الناس؛ وهم الراسخون؛ فإن تردد الراسخ في شيء لم يرد فيه نص ولا إجماع؛ اجتهد بدليل شرعي؛ فيصير مثله؛ وقد يكون دليلا غير خال من الاحتمال؛ فيكون الورع تركه؛ كما قال: (فمن اتقى) ؛ من "التقوى "؛ وهي لغة: جعل النفس في وقاية مما يخاف؛ وشرعا: حفظ النفس عن الآثام؛ وما يجر إليها؛ وهي عند الصوفية : التبري مما سوى الله؛ وعدل إلى التقى عن ترك المرادف له؛ ليفيد أن تركها إنما يعتد به في استبراء في الدين والعرض؛ إن خلا عن نحو رياء؛ (المشبهات) ؛ بميم أوله؛ بخط المصنف؛ أي: اجتنبها؛ ووضع الظاهر موضع المضمر؛ تفخيما لشأن اجتناب المشبهات؛ و"الشبهة": ما يخيل للناظر أنه حجة؛ وليس كذلك؛ وأريد هنا ما سبق في تعريف الشبهة؛ (فقد استبرأ) ؛ بالهمز؛ وقد يخفف؛ أي: طلب البراءة؛ [ ص: 424 ] (لدينه) ؛ من الدم الشرعي؛ (وعرضه) ؛ بصونه عن الوقيعة فيه؛ بترك الورع؛ الذي أمر به؛ فهو هنا الحسب؛ وقيل: النفس؛ لأنها الذي يتوجه إليها المدح والذم؛ وعطف العرض على الدين؛ ليفيد أن طلب براءته منظور إليه كالدين؛ ( ومن وقع في المشبهات) ؛ بميم؛ بخطه أيضا؛ يعني: فعلها؛ وتعودها ؛ (وقع في الحرام) ؛ أي: يوشك أن يقع فيه؛ لأنه حام حول حريمه؛ وقال: "وقع"؛ دون "يوشك أن يقع"؛ كما قال في المشبه به الآتي؛ لأن من تعاطى المشبهات؛ صادف الحرام؛ وإن لم يتعمده؛ إما لإثمه؛ بسبب تقصيره في التحري؛ أو لاعتياده التساهل؛ وتجرئه على شبهة بعد أخرى؛ إلى أن يقع في الحرام؛ أو تحقيقا لمداناة الوقوع؛ كما يقال: من اتبع هواه هلك؛ وسره أن حمى الملوك محسوسة؛ يحترز عنها كل بصير؛ وحمى الله لا يدركه إلا ذوو البصائر؛ ولما كان فيه نوع خفاء ضرب المثل بالمحسوس بقوله: (كراع) ؛ أصله: الحافظ لغيره؛ ومنه قيل للوالي: "راع"؛ والعامة: "رعية"؛ وللزوج: "راع"؛ ثم خص عرفا بحافظ الحيوان؛ كما هنا؛ (يرعى حول الحمى) ؛ أي: المحمي؛ وهو المحذور على غير مالكه؛ (يوشك) ؛ بكسر الشين: يسرع؛ (أن يواقعه) ؛ أي: تأكل ماشيته منه؛ فيعاقب؛ شبه آخذ الشهوات بالراعي؛ والمحارم بالحمى؛ والشبهات بما حوله؛ ثم أكد التحذير من حيث المعنى بقوله: (ألا) ؛ حرف افتتاح؛ قصد به أمر السامع بالإصغاء؛ لعظم موقع ما بعده؛ (وإن لكل ملك) ؛ من ملوك العرب ؛ (حمى) ؛ يحميه عن الناس؛ ويتوعد من قرب منه بأشد العقوبات؛ (ألا وإن حمى الله) - تعالى - وهو ملك الملوك؛ (في أرضه محارمه) ؛ أي: المحارم التي حرمها؛ وأريد به هنا ما يشمل المنهيات؛ وترك المأمور؛ ومن دخل حمى الله بارتكاب شيء منها؛ استحق العقاب؛ ومن قاربه يوشك الوقوع فيه؛ فالمحافظ لدينه لا يقرب مما يقرب؛ إلا الخطيئة؛ والقصد إقامة البرهان على تجنب الشبهات ؛ وأنه إذا كان حمى الملك يحترز منه خوف عقابه؛ فحمى الحق أولى؛ لكون عذابه أشق؛ ولما كان التورع يميل القلب إلى الصلاح؛ وعدمه إلى الفجور؛ أردف ذلك بقوله: (ألا وإن في الجسد) ؛ أي: البدن؛ (مضغة) ؛ قطعة لحم بقدر ما يمضغ؛ لكنها - وإن صغرت حجما - عظمت قدرا؛ ومن ثم كانت؛ (إذا صلحت) ؛ بفتح اللام: انشرحت بالهداية؛ (صلح الجسد كله) ؛ أي: استعملت الجوارح في الطاعات؛ لأنها متنوعة له؛ وهي - وإن صغرت صورة - كبرت رتبة؛ (وإذا فسدت) ؛ أي: أظلمت بالضلالة؛ (فسد الجسد كله) ؛ باستعمالها في المنكرات؛ (ألا وهي القلب) ؛ سمي به لأنه محل الخواطر المختلفة؛ الحاملة على الانقلاب؛ أو لأنه خالص البدن؛ وخالص كل شيء قلبه؛ أو لأنه وضع الجسد مقلوبا؛ وذلك مبدأ الحركات البدنية؛ والإرادات النفسانية؛ فإن صدرت عنه إرادة صالحة تحرك البدن حركة صالحة؛ أو إرادة فاسدة؛ تحرك حركة فاسدة؛ فهو ملك؛ والأعضاء رعيته؛ وهي تصلح بصلاح الملك؛ وتفسد بفساده؛ وأوقع هذا عقب قوله: "الحلال بين"؛ إشعارا بأن أكل الحلال ينوره؛ ويصلحه؛ والشبه تقسيه؛ وللحديث فوائد جمة؛ أفردت بالتآليف.

(ق 4؛ عن النعمان بن بشير ) ؛ قال ابن العربي : وقد جعلوا هذا الحديث ثلث الإسلام؛ وربعه؛ وأكثروا في التقسيمات؛ وأكثرها تحكمات؛ تحمل الزيادة والنقص؛ وبالجملة فالمعاني مشتركة؛ ولو قيل: إنه نصف الإسلام؛ لكان له وجه من الكلام؛ ولو قال قائل: إنه جملة الدين؛ لما عدم وجها؛ لكن هذه المعاني مدخلة لمتعاطيها في المتكلفين؛ قال بعض شراح مسلم : هذا الحديث عليه نور النبوة؛ عظيم الموقع من الشريعة.




الخدمات العلمية