الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
4356 - "الذهب بالذهب؛ والفضة بالفضة؛ والبر بالبر؛ والشعير بالشعير ؛ والتمر بالتمر؛ والملح بالملح؛ مثلا بمثل؛ سواء بسواء؛ يدا بيد؛ فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم؛ إذا كان يدا بيد"؛ (حم م د هـ)؛ عن عبادة بن الصامت ؛ (صح) .

التالي السابق


(الذهب بالذهب) ؛ أي: يباع به؛ (والفضة بالفضة؛ والبر بالبر؛ والشعير بالشعير ؛ والتمر بالتمر؛ والملح بالملح؛ مثلا بمثل) ؛ أي: حال كونهما متساويين في القدر؛ (سواء بسواء) ؛ أي: عينا بعين؛ حاضرا بحاضر؛ (يدا بيد) ؛ أي: مقابضة في المجلس؛ وجمع بينهما تأكيدا ومبالغة في الإيضاح؛ (فإذا اختلفت هذه الأصناف) ؛ هذا لفظ مسلم ؛ وهو الصواب؛ وما وقع في المصابيح من ذكر الأجناس بدله؛ من تصرفه؛ وما درى أن الأصناف أقوى في هذا المحل؛ وأن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أراد بيان الجنس الذي يجري فيه الربا ؛ فعد أصنافه؛ ذكره الطيبي ؛ لكن عهد بهم أنهم يستعملون بعض الألفاظ المتقاربة المعنى؛ مكان بعض؛ فالأمر سهل؛ (فبيعوا كيف شئتم؛ إذا كان يدا بيد) ؛ أي: مقابضة؛ وقال القاضي والطيبي : هذا الحديث عمدة باب الربا؛ [ ص: 572 ] عد أصولا وصرح بأحكامها وشروطها؛ على الوجوه التي يتعامل بها؛ ونبه على ما هو العلة لكل واحد منها؛ ليتوصل به المجتهد إلى أن يستنبط منها حكم ما لم يذكر من أخواتها؛ (فإنه) ؛ ذكر النقدين والمطعومات الأربع؛ إشعارا بأن الربا فيما يكون نقدا؛ أو مطعوما؛ فإن العلة فيه النقد؛ والطعم؛ للمناسبة واقتران الحكم؛ وذكر من المطعوم الحب والتمر؛ ما يقصد مطعوما لنفسه؛ ولغيره؛ ليعلم أن الكل سواء في الحكم؛ ثم قسم التعامل على ثلاثة أوجه: أن يباع شيء منها بجنسه؛ كبر ببر؛ وبغيره من هذه الأجناس المشاركة في علة الربا؛ كبر بشعير؛ وبما ليس من جنسه؛ ولا بما يشاركه في العلة؛ كبيع بر بذهب؛ أو نحاس؛ وصرح في القسمين الأولين لأنهما المقصودان بالبيان؛ لمخالفتهما - كسائر العقود - في الشروط؛ فشرط في الأول التماثل في القدر؛ وأكده بقوله: "سواء بسواء"؛ لأن المماثلة أعم من كونها في القدر؛ بخلاف المساواة والحلول والتقابض بالمجلس؛ بقوله: "يدا بيد"؛ وفي الثاني الحلول والتقابض؛ لا التماثل؛ وسكت عن الثالث إما لأنه جاز على قياس جميع المبايعات؛ فلا حاجة لبيانه؛ أو لأن أمره معلوم مما ذكر؛ مدلول عليه بالمفهوم؛ فإن تقييد اعتبار الحلول بالمشاركة في علة الربا بقوله: "فإذا اختلفت هذه الأجناس"؛ في اعتبار المماثلة بها؛ مع اتحاد الجنس؛ يدل على عدم اعتبارها فيما ليس كذلك.

(تنبيه) :

قال الغزالي : إنما امتنع الربا لمخالفته للحكمة التي خلق النقد لها؛ وهو كونه وسيلة لتحصيل غيره؛ وإنما جاز بيع أحد النقدين بالآخر لأن كلا يخالف الآخر في مقصود التوسل؛ وبيع درهم بدرهم مثله؛ لأن ذلك لا يرغب فيه عاقد؛ لتساويهما؛ فلا معنى لمنع ما لا تتشوف النفس إليه؛ فإن فرض أن أحدهما أجود؛ فصاحبه لا يرضى بمثله من الرديء؛ فلا ينتظم العقد؛ وأما بيع درهم بدرهم نسيئة فممنوع؛ إذ لا يفعله إلا مسامح قاصد للإحسان؛ له أجر؛ وحمد؛ والمعاوضة لا حمد فيها؛ ولا أجر؛ فهو ظلم؛ لأنه أضاع خصوص المسامحة؛ وأخرجها في معرض المعاوضة؛ وكذا الأطعمة؛ خلقت ليتغذى؛ أو يتداوى بها؛ فلا تصرف عن جهتها؛ وفتح باب التعامل فيها يفسدها بالأيدي؛ ويؤخر عنها الأكل الذي أريدت له؛ فما خلق الطعام إلا ليؤكل؛ والحاجة إلى الأطعمة شديدة؛ فتخرج عن يد المستغني عنها إلى المحتاج؛ نعم بائع تمر بتمر معذور؛ إذ أحدهما لا يسد مسد الآخر في الغرض؛ وبائع صاع بر بمثله غير معذور؛ لكنه عابث؛ فلا يحتاج لمنع؛ لأن النفس لا تسمح به إلا عند التفاوت في الجودة؛ وذو الجيد لا يرضى؛ وأما جيد برديئين؛ فقد يقصد؛ لكن لما كانت الأطعمة من الضروريات؛ والجيد يساوي الرديء في أصل الفائدة؛ ويخالفه في التنعم؛ أسقط الشرع غرض التنعم فيما هو القوام؛ فهذه حكمة الشرع في تحريم الربا ؛ وقد انكشف لنا بعد إعراضنا عن فن الفقه؛ فليلحق به؛ فإنه أقوى من كل ما ذكر في الخلافيات؛ وبه يتضح رجحان مذهب الشافعي في التخصيص بالأطعمة؛ دون المكيلات؛ إذ لو دخله الحصر؛ كانت الثياب والدواب أولى بالدخول؛ ولولا الملح لكان مذهب مالك أقوم المذاهب فيه؛ إذ خصصه بالأقوات؛ لكن كل معنى رعاه الشرع يمكن أن يضبطه بحد؛ وتحديد؛ هذا كان ممكنا بالقوت؛ وبالمطعوم؛ فرأى الشرع التحديد بجنس المطعوم أولى بكل ما هو ضرورة للبقاء.

(حم م د هـ؛ عن عبادة بن الصامت ) .




الخدمات العلمية